"أوصيكم إخواني بحفظ أوامر الله (تعالى)ونواهيه والتوجّه إلى الله نور الأنوار –بالكليّة-وترك ما لايعنيكم من قول وفعل, وقطع كل خاطر شيطاني"
"أما أنت إن أردت أن تكون عالماً إلهياً من دون أن تتعب وتداوم على الأمور المقربة إلى القدس, فقد حدثت نفسك بالممتنع,أو شبيه الممتنع ,فإن طلبت وإجتهت لا تلبث زمناً طويلاً إلّا ويأتيك البارقة النورانيةوسترتقى إلى السكينة الإلهية الثابتة"
"شيخ الإشراق"
نحن أمة ربها نور "الله نور السماوات والأرض "ونبيها نور "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " وكتابها نور "فأمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا " فلماذا نعيش في الظلام ؟؟؟
الفلسفة الإشراقيّة
الإشراق هو بزوغ النور وإنبلاج الضوء وفلسفياً ظهور الفيوضات الربانية والأنوار العقليّة على النفوس عند تجردها ليتم بذلك الكشف والمشاهدة، وشيخ الإشراق إستعمل هذا اللفظ للدلالة على مذهب خاص به يقوم على إعتبار النور المبدأ الاول الخالص للوجود بأكمله وأطلق على هذا المذهب بالحكمة الإشراقية .
يعد شيخ الإشراق زعيماً للمدرسة الفلسفيّةالإشراقيّة دون منازع في العصر الإسلامي كما يمكن القول أن ظهور هذا الفكر المشرق ألّف انعطافة أساسيّة في تاريخ الفكرالفلسقي حيث أدّى بزوغ فجر الحكمة الإشراقيّة على أفق الفلسفة والعلم إلى تغيرات أساسيّة في المنطلقات التي كانت تنطلق منها الحكمة المشائيّة, والطريقة التي استخدمها شيخ الإشراق كان لها أثراً كبيراً في جذور الفلسفة التي قامت عليها مدرسة الحكمة المتعاليّة لصدر الدين الشيرازي .
شيخ الإشراق
هو : شهاب الدين السهروردي توفي عن عمر 38سنة، انفق حياته بالتجوال باحثاً عن المعرفةوالعلوم الحكمية،أقام في حلب ثم تعرف على الحاكم الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي فأحبه الأخير كثيرأ واتخذه إستاذاً له ولكن بعد فترة من الزمن قام بإعدامه تحت ضغطٍ كبيرمن والده ذلك بعد أن اتهمهفقهاء حلب الأحناف بالكفر وإدعاء النبوة بهتانا وإفتراءاًعليه, فوضع بقلعة حلب ثلاثة أيام حتى قضي جوعا.
ترك السهروردي الكثير من المؤلفات بالرغم من صغر سنه , منها الرسائل والكتب مذهبيّة كبيرة, كانت أكثر رسائله رمزيّة مثال: حفيف أجنحة جبريل, الرسائل,صفير سيمرغ, لكنه رسخ فكره الفلسفي بعدد كبير من الكتب منها المقاومات، التلويحات ،المشاعر اللوحيّةوالعرشيّة، المشارع والمطارحات، وهياكل النور، وأهم كتبه حكمة الإشراق.
نُشرت كتبه في البلاد العربيّة، إعتنى بنشرها الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان كما شارك في ذلك كل من عثمان يحيى وحسين نصر .
أماسبب تسميّة هذا الفكر بالإشراقي؛ لإن العلم نور يشرق في قلب العارف ، وهؤلاء الفلاسفة يعتقدون "أن القلب مثل المرآة المجلوّة المصقولة محاذياً للوح المحفوظ وما عليه من العلوم والحقائق الإلهية ....."هذا ما قاله المحققون . ينطلق هذا الفكر لمعرفة الحقائق الوجوديّة على عدة أصول ومباني أساسية:
1- المشاهدة والمكاشفة.
2- العقل والإستدلال .
3- ظواهر الكتاب والسنّة
تعد المدرسة الإشراقيّة هي المدرسة الثانيّة من المدارس الفلسفيّة في الفكر الإسلامي بعد المشائيّة, فالمدرسة المشائيّة هي الأولى من حيث الزمن, ومن حيث أهمية الإرث الذي تركته على الفكر الإسلامي وحجم التراث الفكري وعدد المفكرين الذين إندرجوا تحت هذه الفلسفة.
بسمه تعالى
الفلسفة الإشراقية
كتاب "هياكل النور" شهاب الدين السهروردي
شرح الشيخ الدكتور: علي المسيّبي
مؤسس الحكمة الإشراقية هو الشيخ شهاب الدين يحي السهروردي ,شيخ الإشراق وهو منسوب إلى قرية سُهر أي الورد الأحمر, أما نحن لسنا بصدد التكلم عن سيرته الذاتية بل فكره الفلسفي, منظومته الفلسفة مميزة ومتكاملة وجميلة ولكن يوجد فيها بعض الثغرات و التناقض, لإن الفلسفة يجب أن تقوم على أسس متينة لكي تؤدي للوصول إلى اليقيين من خلال البرهان .
كتاب رسالة هياكل النور يحتوي على سبعة هياكل. ولكن على كل باحث إذا أراد أن يفهم نهج الفلسفة الإشراقية قبل أن يبدأ بقراءة أي كتاب عليه أن يدخل من خلال مقدمة كتاب" حكمة الإشراق"ففيها يتكلم شيخ الإشراق عن الفرق بين البحث والتألّه: فطريق التهذيب والسير والسلوك يعبّر عنه بالتـألّه،فهو متأله وباحث وحكيم وهذا نهجه، فهو جامع في نهج فلسفته بين السير والسلوك وعالم التخلق والمعرفة، ففي مقدمة الكتاب يشير إلى أن مراتب الحكماء كثيرة ولكن يمكن أن تُختزل إلى خمسة طرق :
أولاً : حكيم إلهي متوغل في الـتألّه عديم البحث (متوغّل متبحّرومتعمّق)
ثانيّاً: حكيم بحاث عديم الـتألّه(كإبن سينا ومن معه في منهجه)
ثالثاً: حكيم إلهي متوغل في الـتألّهوالبحث
رابعاً: حكيم إلهي متوغّل في الـتألّه متوسط في البحث(أو ضعيف)
خامساً: حكيم متوغل في البحث متوسط في التألّه (أو ضعيف)
ويقسّم طلاب الفلسفة(الحقيقية)إلى ثلاثة طواتف:
ألاولى : طلاب التألّه والبحث.
الثانيّة : طلاب للتألّه فحسب.
الثالثة: طلاب للبحث فحسب.
وفي مقدمة الكتاب يصرح أيضاً باعتقاده بأن الولاية للإنسان بما هو إنسان (من الولي أو من الحكيم الذي يجب أن يقتدى به أو من هو القطب الذي رحى إليه الأمة أو من هو الخليفة ,خليفة الله الذي استخلفه عنه سبحانه, أو من هو الغمام الذي يؤتى ولا يأتي, أو من هو الذي يجب على الناس أن يعتقدون به في دنياهم وأخراهم في الظاهر والباطن)هو الذي متوغّل في التألّه والبحث, هذا هو الحكيم البرهاني صاحب شهود ومعرفة متوغّل في التأله والبحث أي أهل كشف وذوق وأهل البحث والتحصيل.
والحكيم الذي من شأنه أن يكون حكيم الحكماء إمام القادة وقدوة الإئمة أئمة البحث والعلم هم الأنبياء والرسل والأئمة في نظرنا (الكلام للسهروري) هو الفقيه الشافعي، ولكن إعتقادياً وأصولياً هو شيعي لأن فكر السهروردي وفلسفته ونهجه ووآراؤه شيعية (كإبن عربي من منطلق معتقده شيعي ونحن نعرف الأشخاص من منطلق عقائدهم وليس فقههم ). فهو يعتقد بولاية الحكيم الفيلسوف الإلهي , وما أستشهد إلا على يد الفراعنة وظاهريّة الفقهاء الشريعة إلا من أجل معتقده ,حيث يعتقد في ترسيم المدينة الفاضلة ولاية الحكيم الباحث المتالّه (سؤال: ولاية الفقيه هل هي مسألة فلسفية أم عرفانية أم فقهية؟ أين تدرس؟ عند المشاء كأرسطو وإبن سينا والفرابي ,فالولاية للفيلسوف والبحّاث البرهاني، ولاية الحكماء البحاّثون، وولاية الفقيه ذهب اإليها الفقهاء.
من هنا يفهم أن الولاية للإنسان بما هو إنسان في جميع مراتبه في جميع العوالم، في الدنيا والبرزخ والأخرة, في الظاهر والباطن هو بحث عرفاني ،فالعارف يعترف بالولاية للإنسان بما هو إنسان في جمع المراتب في الظاهر والباطن . وإذا كانت الولاية للقعل والفكر والعقيدة فهي مسألة فلسفية برهانيّة ,فنحن عندما نريد أن نرشد العقول ونأخذ العقائد من الفيلسوف الحكيم فهنا هي مسألة كلاميّة وعقليّة. وإذا كانت الولاية بمعنى الرئاسة العامة للمجتمع المدني في دائرة الأحكام الإلهية الشرعيّة الظاهريّة الفقهيّة فهي مسألة فقهية.
وولاية الإمام المعصوم ولاية للإنسان بما هو إنسان في جميع مراتبه وفيعوالمه وهذه هي الولاية التكوينيّة ولها شؤون, يوم ندعو كل إناسٍ بإمامهم "أي في أي مرتبة أخذ بهذه الإمامة "
وشيخ الإشراق يؤكد في مقدمة كتابه أن كتابه لا يفيد لأهلالبحث فقط بل يجب أن يكون من أهل البحث والتألّه وهنا يصرّ على أن الولاية يجب أن تكون تحت راية الحكيم المتوغّل في التألّه والبحث.
كتاب هياكل النور
المقدمة:
"أما بعد ...فأقول : يا حي ياقيوم ..... بضنين": يبدأ باسم الجامع القيّوم , من هنا يتضح لنا أنه يشير إلى أصل الوجود وشؤونه (كمبحثه حول أصالة الماهيّة وإعتباريّة الوجود),الفيسلسوف ينظر إلى الوجود بمعنى الموجود ,فهو ينظر إلى الموجود ويقول هذا الموجود إما قائم بنفسه أو قائم بغيره .فالاول واجب الوجود والثاني ممكن الوجود, وهذا الأمر مجمع عليه عند كل الفلاسفة, ,يا قيوم :أي أن الله الذي هو قائم بذاته وقيام الغير به, فهو واجب الوجود بالذات وكل واجب الوجود بالغير مستند إليه وقائم به,في أول كلمة يختصر كل هذه التقسيمات : يا قيوم : من واجب وممكن ,ولممكن يستند إلى الواجب كي لا نقع في الدور والتسلسل , فيعتبر إسم القيوم هو الإسم الجامع بين الصفات الذاتيّية والصفات الإضافيّة الإشراقيّة والأفعاليّة ,فقام مقام إسم الذات أي مليءبالوجود ولا يستند إلى شيء ,فهي من صفات الذات التي يستند عليها صفات وهي صفة الفعل .
القيوم برزخ جامع بين الذات الألهية وما سواه, فكل الصفات الأفعاليّة ترجع إلىى القيوم كالخالقية والرازقيّة كلها مصدرها ومرجعها ومنبعها القيوم مثل كل الصفات الذاتية ترجع إلى صفة الحي فهو حيٌ قيوم ,الحي صفة ذاتيّة والقيوم برزخ بين الذاتيّة والفعليّة (لا إله إلا هو : من هو؟ الحي القيوم .وتفسير القيوم: لا تأخذه سنة ولا نوم...).
وعلى مصطلح الإشراق : قيام النور بالنور .مصطلح الفلسفي نور فلا يأتي بمصطلح الوجود والموجود بل عن النور , ولا يحكي عن الماهيّة ,نظامه الفلسفي فيه عنصرين أساسيين : النور والظلمة وكلاهما ذات مراتب . ولكن مع العلم بأن مصطلحه النور فلم يبدأ به بل عبّر بالقيوم لعدة أسباب منها :
1-لان القيّوم مصطلح قرآني وشيخ الإشراق يقتدي بالقرآن, فكان يهتم كثيراً بالنصوص القرآنيّة في كل كتبه الفارسيّة والعربيّة .
2-لأن القيوّم سيد الأسماء الأفعاليّة وهو الأعظم على الإطلاق .
"إيدنا بالنور ":يقصد هنا العقل ,إما العقل المتصل أو المنفصل ,المنفصل هو عقل العقول الكاملات كالنبيّ والأئمة ع .أيضاً العقل الفعّال . أيدنا بالنور لأن العلم يحتاج إلى العقل , والعقل يحتاج إلى النور الذي نأخذه من العقل الفعّال ,الذي يرتبط بدوره بالعقل المستفاد ونحن نرتبط به من خلال العقول الموجودة عندنا , شيئاً فشيئاً نأخذ العلم من العقل الفعّال الذي هو جبرائيلعلى لسان الشريعة.
العقل له مراتب أربعة : العقل الهيولاني ,العقل بالملكة, العقل بالفعل ,العقل المستفاد ,فالعقل اليولاني موجود عندنا ,العقل بالملكة هوالدراسة ليصبح عندنا ملكة , وعنما يمشي الطالب بطريق العلم يصبح العقل بالفعل ثم بعدها العقل المستفاد الذي يستفيد من العقل الفعّال وهو على لسان الشرية جبرائيل الذي علّمهشديد القوى. فالمستفاد يأخذ مباشرة من جبرائيل ع .
العقل المنفصل هو عقلٌ مستفاد وما بعده بالرتبة الأعلى العقل الفعال .في الفلسفة لا بد من العقل والعقل لا بد له من النور ,أيدنا بالنور . وهذا النور ذات مراتب من شدة والضعف يصل إلى أشد المراتب وهو نور الأنوار أي الذات الالهيّة . فالعقل الموجود لدينا هو نور ونورمن نور ,أيدنا بالنور .
"وثبتنا على النور":إسم النور هو إسم الذات وإسم الفعل عند كل الفلاسفة وعند الإشراق بالخصوص تطلق كلمة النور على الذات المقدسة وعلى غيرها من الوجودات والماهيّات وما عدا النور هو ظلمة أي العدم , فثبتنا على النور أي الهدايّة :لأن العقل يهدي فالنور هو الهدى, في الداخل والخارج, من الداخل أي من عقلنا ومن الخارج أي عقول الأنبياء والأولياء .وهذا معنى أيدنا بالنور.
". أحشرنا إلى النور ": يطلب من المولى أن يحشره مع الأنبياء والمرسلين لأن العقول الكاملات عنده هم الأنوار القاهرة .فطلبه أن يحشره مع الانوار أي النبياء أن كانت تشريعيّة أو تعريفيّة, والحشر مع الله سبحانه وهو الحشر المطلق والنور المطلق واحشرنا مع النور والى النور .فكل إنسان يحشرمع من يحب ,فإذا كنا في الدنيا حشرنا مع النور ففي الآخرة حشرنا مع النور ,وإذا في الدنيا عشنا مع الظلمة فسنحشر في الآخرة مع الظلمة,فمن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا .
"إجعل منتهى مطالبنا رضاك":أقصى شيئ نريد الوصول إليه هو الوصول إلى مقام الرضا هو في المقدمة يطلب مقام الرضا وهو من أعلى وأشمخ المقامات ,وذوي الرضا كل ما يتوارد عليه لا يعترض ,ففي هذا المقام يوجد التوكل والتسليم والرضا, لا إعترض لا في في الخارج ولا في القلب , هكذا كان نبينا الأكرم ص قيل لم يستخدم كلمة( ليت أو لعل) في حياته أبداً.فنحنا طلاب البحث والتعلّم ومنتهى مطالبنا رضاك.
"أقصى مقاصدنا ما يعدنا لأن نلقاك" :طلبه اللقاء والحشر معه لم يطلب الجنة وعدم دخول النار بل طلب الحشر واللقاء ( إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك) فهو لا يريد غيره صاحب الجنة .
هذا هو المطلب والهدف الأساسي والمقصد للحكيم الذي عنده تأله وبحث, فهذا طريقه , قال الملا صدرا( ما رأيت أحد يعارض الفلسفة ويخالفها إلا أن يكون في داخله حب الدنياوحب الرئاسة).
"ظلمنا نفوسن"ا: ظلم النفس هو إهمالها وعدم معرفتها, فمن جهلها ظلمها, طريق الفلسفة تحتاج إلى معرفة النفس ,لأن ظلم النفس وضعها في غير موضعها, واستخدامها في غير هدفها والغاية التي وجدت لأجلها ".لست على الفيض بضنين":أي بخيل "وما هو على الغيب بضنين"
الله سبحانه وتعالى ليس ببخيل, لأن البخل هي صفة ممكن ونقص وبالنسبة اليه( تعالى عن هذه الصفات) سلبية تحصيلية .ولكن ما هو الدليل على أن الله سبحانه ليس ببخيل ؟
1 –إنه قادر على كل شيء.
2- إنه عالم بكل شيء.
الله سبحانه عالم وقادر على الإطلاق فهو جواد, فالجود يأتي من القدرة والقدرة تأتي من العلم فالجاهل هو الذي لا يعرف قيمة الفضل والعطاء,والعاجز الذي غير قادر على المنح والجود ,والجواد ليس بحاجة لوجود أحدٍ لكي يجود ,فهو جواد محض والجود من ذاتياته فمن شدة الملأن يوجب الفيضان, هذا بحسب الحكمة المتعالية وشيخ الإشراق والعرفان ,فمن شدة إمتلائه بالخير والفيض يفيض لذالك عبر بكلمة الفيض,أوجد بفيضه الأقدس الفقراء وفاض بفيضه المقدس عليهم ,لأجل ذلك استخدم كلمة الفيض ,حتى هنا كان كلام الشيخ عن النور وبعدها بدأ بالكلام عن الظلمة بما أن فلسفته نور وظلمة .(أنوار جوهريّة, أنوار مجردة, أنوار عرضيّة, كما أن هناك ظلمات جوهريّة وعرضيّة).
"أسارى الظلمات" :حسب مصطلح الإشراقيون وأفلاطون ومن اتبعه أن الدنيا سجن المؤمن وعالم الأسر ونحن بعيدون عن عالم النور نحن أسارى البدن والتعلقات البدنيّة والشهوات ,أسارى الدنيا ,والاسير أسوء حالاً من أي شخص آخر. ويقصد بالأسر :أسر الهوى والهوس والقول عن أمير المؤمنين عليه السلام "كم من عقل أسير تحت هوى أمير"فالعقل هنا تحت سيطرة الهوى فالعقل مثلاً لا يفكر بالخيانة بل النفس هي تستخدم العقل, فالعقل الأسير لا يستطيع أن يفكر بطريقة فلسفيّة وإستدلاليّة لأن العقل الأسير يسير وفق من أسره وبما أن الآسر هو الهوى والهوس والدنيا فيصبح الإنسان اعمى ومن كان في هذه أعمى ففي الآخرة أعمى وأضل سبيلا .
فشيخ الإشراق يعبر عن الدنيا وعن أهل الدنيا بأسارى الظلمات وهؤلاء:"بالباب قيام ينتظرونالرحمةويرجون الخيرفالخير دابك والشر قضاؤك" : الأسير يطلب العون من الذي قادر على عونه, فهم يطلبون العون من الله تعالى, فالذي في سجن الدنيا أسير يقف على باب الله يطلب العون وينتظر الرحمة ويرجو الخير كما يرجو فك الأسر, ونحن هذا حالنا .
والخير مقتضى ذاتك ,الله سبحانه وتعالى لا يصدرمنه إلا الخير ,ذاته خير وما يرتشح منها الا الخير .فالخير دأبك : موجود في مقام ذاتك كما ورد في الدعاء" الخير بيدك"
أما الشرُمقتضى بالتبع أو بالعرض أو بالمجاز .فالخير يصدر عن الله سبحانه ولكن يتبع هذه الخيرات شرور,وهذه الشرور ليست مقتضية بالذات, فالله سبحانه خلق الدنيا بالخير ولا يخرج منه إلا الخير ,ويأتي السؤال ف يهذه الدنيا شرور (زلازل زبراكين وموت وحرائق )فمن أين هذا الشر ؟ فمجرد قول الدنيا أي فيها شر ولكنه مقتضى بالعرض أو التبع أو المجار الشرور هي أعدام: أما أعدام الّذوّات أما أعدام الكمالات لأن في الظلمات خيرات كثيرة يتبعها بعض الشرور إمساك الخيرات الكثير لأجل الشرور القلية فهي بحد ذاتها شرور وجلّ ربنا عن ذالك .
"أنت بالمجد السني مقتضى المكارم : العلي الكبير الذي لا نستطيع وصفه فهو الذي نعبر عنه بالله أكبر ,فهو أكبر من أن يعوّض ذاته وصفاته الذاتيّة.
وأبناء النواسيت: الناسوت هو الدنيا قال امير المؤمنين عليه السلام " " كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا" لإن إبن الدنيا يلحق أمه.
ليسوا بمراتب انتقام :إنت أجلى شأناً من أن تنتقم منّا ونحن أدنى من من هذا فنحن أسارى الظلمات .أولاً وصفنا نحن وثم وصف الله كيف هو :فإذا كان هو هكذا ونحن هكذا فهو أجّل من أن ينتقم منّا.
بارك في الذكر : بارك في الذكر حتى نستيقظ من ركود الطبيعة ومن البرازخ, من عالم الدنيا وعالم الأجسام الماديّة,وأدفع عنا السوء: إدفع عنا الغفلة والنسيان والتعلق بالأمور البدنيّة .ووفق المحسنين : الذين هم أصحاب ذوات الخير ذاتاً وفعلاً ووصفاً الذين هم الصالحون ,وصل على المصطفى : الذي اصطفيته من خيار خلقك وهو مجرى الفيض الذي لا يجري علينا إلا من قِبلَه الفياض الله تعالى يفيض عليه أولاً ومن خلال فيضه عليه يأتي إلينا الفيض من مجرى الفيض .
وآله أجمعين :ما يؤول إلى الشيء أي ما يرجع إليه ,فآل المصطفى ما يؤول ويرجع إلى المصطفى صل الله عليه واله وذلك:
1- إما روحياً وجسماً كالائمة عليهم السلام فهم روحاً وفكراً وعقلا ومنطقاً ونهجاً من رسول الله صل الله عليه واله ودماً أيضا منه ص أي من صلبه
2-:أو يؤول إليه فكراً ونهجاً وقولاً كعلماء الشريعة ولكن ليس من صلبه
3-أويؤول إليه جسماً فقط أي من صلبه ولكنه منحرف الدين كالسادة العاصين مثل زيد القاتل وغيره .
وهناك طائفة أخرى وهي كالغربيين الملحدين وهم أسوء طائفة من الخلق بعد رسول الله صل الله عليه واله
وأفضل طائفة هي الأولى بلا شك وبعدها الثانية وثم الثالثة أما الرابعة مصيرهم جهنم وبئس المصير .فالمقصود بال فحمد صل الله عليه واله :الطائفة الاولى والثانيّة والثالثة,أجمعين أي كلهم .وهذه رسالة هياكل النور: الهيكل هو السور والمثال لما فوقه, كما البدن الإنساني هو مثال للنفس الإنسانيّة وهيكل الحيوان هو هيكل للنفس الحيوانيّة (فبدن البقرة مثال للنفس البقريّة ...) شيخ الإشراق يرى كل شيء هيكل لما فوقه .فهياكل النور =الدنيا هيكل لعالم المثال ,وعالم المثال هيكل لعالم العقل ,والنفوس الإسفهبديّة هياكل للعقول القاهرات كما هي هكيل لنور الأنوار, فهناك هياكل نور أي كل هيكل لما فوقه من النفوس الإسفهبديّة كما النفس مثال وهيكل للروح والعقل أيضاً هيكل لما فوقه. والعالم بأسره هياكل الأنوار ,والأنوار المجردة هياكل النور الذي هو نور السماوات والأرض ,وجاء تسمية كتابه هياكل النور أي صورة تمثال مثال؟؟؟وبعبارة أخرى العالم طلاسيم أي رمز عن شيء أخر وكل طلسم يحاكي ما فوقه وعلينا أن ندرك أسرار الطلاسيم وهي الكائنات المدبرات للعقل .
"هذه هياكل النور قدس الله النفوس القابلات للهدى": النفس من شأنها القبول ,والعقل من شأنه أن يفيض ويهدي فهنا هو يدعو للنفوس والعقول, فالعقول من شأنهم أن يعلّموا والنفوس من شأنهم أن يتعلموا أو يأخذوا, فهو يدعوا للمعّلم والمتعلّم .قال رسول الله صل الله عليه واله
"أمتي صنفان إما عالم أو متعلم" والصنف الثالث جمعٌ رعاع ليسوا من أمة النبي ع , قال أحد الحكماء المتألهين : إن النفس عندنا تسمى نفساًما دامت كمالاتها بالقوة,فإذا أصبحت كمالاتها بالفعل إنسلخ عنها ذلك الإسم ,والإسم الائق عندئذ هو العقل. فالعقل والنفس إسمان لحقيقة واحدة فحين تأخذ وتستفيد فأسمها النفس وحين تعطي وتفيض إسمها العقل .
الهيكل الأول : في المبادئ
الهيكل الأول يتكلم عن الجسم ,الثاني عن النفس .بما أن الجسم هو هيكل النفس قدمه على النفس ,فنحن نعيش في الظلمات, وللجسم جوهر غاسق مظلم ,فشيخ الإشراق يطلق على الجسم جوهر مظلم وأحياناً يطلق عليه برزخ.
مسألة الجسم من الطبيعيات .الفلسفة القديمة كانت تبحث في الرياضايات والالهيات والطبيعيات والهندسة والموسيقى لأن على الفيلسوف أن يكون ليه علم شامل لكل المعارف ,أما اليوم بحث الجسم هو بحث علمي وليس فلسفي .
"كل ما يقصد اليه بالإشارة الحسيّة هو جسم" :
1-لا يوجد لدينا حاسة من خلالها نتعرف على الجسم ,نعم نستطيع أن نشيرإلى الجسم إشارة حسيّة ولكن الجسم ليس محسوس, لا نستطيع لمسه أو شمه أو تذوقه لأن الجسم جوهر ولا يوجد حاسة يستطيع الإنسان من خلالها أن يستكشف الجوهر ,ما نراه هو شيئ متمم وكيف ملون ولكن هذا الشيء ليس بمحسوس مثل الهواء : فداخله أجسام وليس ارواح .كذلك مثل الورد ورائحته التي هي داخله مع العلم إنها جسم وتجري في الهواء ونشمه ونشعر به أن هناك رائحة جميلة وهو جسم إسمه رائحة وهو جوهر وليس عرض . فالجسم لا يدرك بالحس بل بالعقل لأنه جوهر والجوهر لا يدرك إلا بالعقل . عند شيخ الإشراق الجسم بسيط ,كذلك أفلاطون أما المشاء والحكمة المتعاليّة في فلسفتهم الجسم مركب .
2- وجود الجسم معلوم فهو موجود ولم يختلف الفلاسفة على وجوده ولكنهم إختلفوا في ماهيته هل هو مركب أم بسيط .
فالجسم عند الفلاسفة ذو أبعاد ثلاثة أي يمكن ان يفرض له الأبعاد الثلاثة ,العمق والطول والعرض (من ناحية فرضيّة).ولكن يوجد عدة أجسام : الجسم المثالي (للإنسان هو جسم معنوي برزخي ,أما للورد مثلاً كماء الورد في الورد)والجسم الصناعي (الذي يصنعه البشر)وهناك أيضاً الجسم التعليمي والجسم الطبيعي أما الكلام هنا عن الجسم الطبيعي , الذي هو جوهر يمكن أن يفرض فيه الأبعاد الثلاثة متقاطع على زوايا قوائم .
3- إختلاف الإجسام : هنا أيضاً شيخ الإشراق يختلف مع الحكماء (المشاء والحكمة المتعاليّة )بالصور النوعيّة الجوهر لأن الصور الجسمية مشتركة بين جميع الأجسام ,وكل جسم تعريفه جسم يفترض به الأبعاد الثلاثة .أما شيخ الإشراق عنده إختلاف الأجسام عن بعضها البعض بالهيئات والأعراض من هنا نعلم أن الصور النوعيّة عنده هي الأعراض وليست جواهر عند المشاء الصور النوعية هي جواهر.
تعريف الجسم : الجسم جوهر ويشار اليه إشارة حسية فقط ولا يوجد جوهر آخر يشار إليه إشارة حسيّة ,فالنفس أوالعقل جوهر ولكن لا يشار إليه بالحس (هذه قاعدة كليّة)
"والأجسام متشاركة في الجسميّة ....هو الهيئات":
الصور الجسميّة مشتركة بين كل الأجسام وهذه الصورة هي الطول والعرض والعمق وكل الاجسام تتشارك في الجسم ولكنهم يتفارقون بشءٍ آخر وهو الهيئات ,وهويعبّر عن الاعراض بالهيئات. وقد سمى الأعراض بالهيئات لأن لأن كل جسمٍ له هيئة وهيئته بماعليه من أعراض (كم ,كيف ,لون ,الصغر الكبر) وهذه هي الأعراض التي تعطي لكل جسمٍ هيئتة وهذه الهيئات لازمة للجسم وإلا كانت الأجسام كلها جسم واحد ونحن نرى عالم الأجسام أجسام متكثرة ومتعددة ومتفارقة بالهيئات.
" ولازم الحقيقة لذاتها لا ينفك عنها" :
الجسم لا ينفك عن الهيئات وهي بدورها لا تنفك عن الجسم , وهذه الهيئات يمكن أن نراها ونحس بها فالجوهر لا يرى بالحس ولكن الأعراض قد تكون إمكانيّة وقد تكون لازمة لذلك قال:
"ووصف الشيء قد يكون ضروريّاكالزوجيةً للأربعة" : وقد يكن ممكناً وقد يكون ممتنعاً وهذه هي الهيئات فإذا كان ممكناً أن تزول فيأتي مكانها هيئة أخرى وإذا كان ممتنعاً لا يمكن أن يتصف بها وإذا كانت ضروريّة تكون لازمة للجسم ولا ينفك عنها أبداً .
إذا تحققت الأربعة في في الذهن زوج , وإذا تحققت في الخارج زوجٌ ,ماهيتان مختلفتان من الكم والكيف ولكن متلازمتان ولا يتركان بعضهما, كذلك الزوجية بالنسبة إلى الإثنين والستة , فهي دائماً تلازم الزوجيّة ووتفارق الزوجية وتتبعها ولكن ليست الزوجية من يتبع الأربعة .وكذلك الجسميّة للإنسان ,فما زال الإنسان في الدنيا فله جسم وفي البرزخ له جسم آخر هذا من الضروري.
وقد يكون ممكنا كالقيام والقعود : الجسميّة للإنسان للاسود أسود وللأبيض أبيض وهي أعراض ,القيام والقعود للإنسان ممكن وهي حالات ليست ضرورية للإنسان كجسم التفاحة التي تلحقه الكمية عندما يكبر والرائحة واللون فهذه حالات ممكنة أي الهيئات لجسم التفاحة كذلك القيام والقعود بالنسبة للإنسان .
"وقد يكون ممتنعاً كالفرسيّة له" : فالفرسيّة للإنسان ممتنعة .
بعد هذا البحث ينتقل شيخ الإشراق إلى بحثٍ آخر؛ وهو: هل الجسم مركب من أجزاء تتجزأ ؟أم مركب من أجزاء لا تتجزأ ؟ المتكلمون كانوا يعتقدون بالجوهر الفرد ,إذا كسّر الجسم سيصل إلى جزء لا يتجزء ولا ينكسر .ولكن الحكماء لا خلاف بينهم أن الجسم يتجزأ إلى أجزاء لا نهايّة لها ,لان كل نصف له نصفين ألى ما لا نهاية له من التقسيم , وإذا لم نستطع تجزءته من الخارج نستطيع تقسيمه في الوهم وإذا لم نستطع ذلك فيقسم في العقل ,فالجسم مألف من أجزاء بالقوة غير متناهيّة وهذا ككل العلوم .
"والذي لا يتجزأفي الوهم لا يجوز أن يكون في جهة أن يشار إليه ,لأن مأمنه إلى جهة أخرى ,فينقسم وهما بديهيان": النفس لا تتجزأ فلا يمكن أن يشار إليهاأو يشار إلى العقل إشارة حسيّةولا يمكن أن تكون في جهة دون جهة ولكن الجسم في جهة من الجهات (الجهات الستة ) ويمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة ,فكل جسم ينقسم فهو جسم من جهة ويمكن ان يشار إليه .
شرح: عند المشاء
الجسم عند المشاء مركب من الهيولي والصورة ,الهيولي من شانها القوة والقبول ,الصورة الجسميّة من شأنها الفعل ,فكل جسم من الأجسام موجود فيه الهيولي الأول وصورة الجسم أي مركب من هذين الشيئين , وهذا لا نصل إليه بالتقسيم والقطع بل نصل إليه بالعقل الفلسفي ,لأن الجسم يقبل بالأنفصال والإتصال , الجسم كصورة جسميّة حقيقيّة متصلة ,فكيف الإتصال يقبل الإنفصال وهو ضده؟؟ لذلك لا بد ان يكون هناك شيئ في الجسم له القبول ,في حد ذاتها لا يوجد إتصال وإنفصال بل يقبل الأتصال والإنفصال كما يقبل أي شيء آخر. الصورة الجسميّة ليست حالتها حالة القبول بل حالتها طول وعرض وعمق ,حقيقة متصلة كما في الحس ,ليس هناك فراغ أو إنفصال بل حقيقة واحدة بسيطة متصلة أسمها الصورة الجسميّة عند المشاء والهيولي الاول مادة المواد من شأنها القبول .
هذه الصورة الجسميّة تأخذ الصور الصور النوعية أي تصبح شجر أو حيوان أو إنسان ,أي الصور النوعيّة تتوارد على الصور الجسميّة والصور الجسميّة صورة واحدة لا يوجد منها إثنين مثل الهيولى الأولى واحدة ,ولكن الصور النوعية لا تعد ولا تحصى ,أي كل الأجسام الصورة النوعيّة متعددة فيها . الله خلق الهيولى وأعطاها الصورة الجسميّة ثم يفيض عليها .( عند الحكمة المتعاليّة هكذا الحركة الجوهريّة : الصورة النوعيّة جوهر والصورة الجسميّة جوهر والجسم جوهر والهيولي جوهر ,الهيولي الأولى إلى الجسميّة تتحرك في الصور النوعيّة ,والصور النوعيّة جواهر جوهر متحرك في جوهر =الحركة الجوهريّة.
عند الإشراق :
لا يؤمن شيخ الإشراق بالهيولي الاولى ولا يعترف بأن الجسم مرّكب من الهيولي الأولى والصورة الجسميّة وهو اهل الإشراق وأهل التألّه .حكيم بحّاث عديم التأله يقول الجسم مركب ,وحكيم بحّاث متأله يقول الجسم بسيط جسميّة فحسب ,فقد وضع مكان الهيولي الأولى الصورة الجسميّة ,والصورة الجسميّة تقبل الهيئات ,ما سماه المشاء بالهيولي أسماه شيخ الإشراق بالجسم أي مادة المواد هي الجسم المطلق لأن الجسم عنده مطلق المقدار (طول وعرض) لا جزء له وتبعه في هذا الرأي نصير الدين الطوسي في كتابه التجريد وقد إشتهر انه مذهب إفلا طون نفسه .
أن كل الحكماء إتفقوا على مفهوم الهيولي ولكن إختلفوا في مصاديقها ,الصورة الجسميّة واحدة عند الكل ,عند المشاء والإشراق ,الصورة الجسمية هي حقيقة واحدة في كل الإجسام في العالم ,كما قالوا الهيولي الأولى واحدة ,ولكن إختلفت الأجسام بالهيئات أي الاعراض .وعند المشائين بالهيئات والصور النوعيّة التي عندهم جواهر كما عند الحكمة المتعاليّة ولكن عند الإشراق الصور النوعيّة أعراض ,وهذه أحدى ثغرات عند شيخ الإشراق .
الهيكل الثاني
العنوان: في نفس الإنسانية وأحوالها من تجرّدها وتصرّفها في قواها وبقائها وإبطال تناسخها
المسألة الأولى: الفصل الأول : حول تجرد النفس وإثباتذلك.
"أنت لا تغفل عن ذاتك وما من جزء من أجزاء بدنك إلا وتنساه أحياناً ":
تحدثنا عن الجسم وأنه هيكل للنفس وأنه هيكل النفس فهذه النفس تجسدت في هذا البدن .أما في هذا الهيكل نتحدث عن ما عن ما هو فوق الجسم وهوعالم النفس فهي خارج عن عالم المادة والحركة والمكان والزمان .
أنت لا تغفل عن ذلك : هيكل البدن موجود وأحياناً نغفل عن ذلك وعندنا نفس أحياناً ننسى أشياء كثيرة موجودة في هيكل الإنسان أو حتى لا نعرف بوجودها فالأخصائيون يعرفون أكثر من غيرهم .ونحن غافلون عن أجزاء البدن ولكن لا يمكن أن نغفل عن ذاتنا ليلاً أونهاراً في كل الحالات
فالإنسان الحاضر عن عند ذاته ولا ينساها ولكنه ينسى البدن إذا هو غير الجسد .فالذي يقوله بكلمة أنا غير الذي يقوله بكلمة بدن فأنا مثلاً لا رجل ولا يد ولا ذكرٌ ولا أنثى فالذكورة والأنوثة والالوزن والطول غير الأنا ,فالانا هي النفس وكل ما نقوله للجسم يجب سلبه عن النفس كما يجب أن نميز بين البدن والنفس كذلك يجب التميز بين النفس والمزاج .
يوجد مبحث في الإشارات لإبن سينا عن النفس يقول : الإنسان لا يمكنه أن يغفل عن ذاته وينساها , ويأتي بمثال الغنسان المعلّق في الفضاء (الإنسان الطائر ) معلّق بين الأرض والسماء ولا يشعر بأي شيء من الأمور الدنيويّة الجسديّة ,فهو غافل عن كل شيء ولكنه ليس بغافل عن ذاته .
"فلو كنت أنت هذه الجملة ما كان ليستمر شعورك بنفسك مع نساينها لفأنت وراء هذا البدن وأجزائه":إن كان جزءمن أجزاء البدن أو كل البدن فإذا كانت ذات الإنسان عبارة عن البدن وأنا أنسى ولكن لا يمكن نسيان الذات وأن كنت فوقه أو وراءه أي ماغيره وما سواه فأنت لست البدن . هذا البحث فلسفي وهو خارج عن العلوم التجريبيّة .
الفلسفة على قسمين : فلسفة المضاف وفلسفة الغير مضاف مثل فلسفة العلم وفلسفة الأخلاق .فلسفة الأخلاق هي فلسفة مضافة فهي ليست بفلسفة كماء المضاف هو ليس بماء أما العلم الذي يستطيع أن يتحدث عن النفس هو فلسفة مطلقة غير مضافة . نحن نعبّر عن البدن وأجزاء بلفظ (هو) ونعبّر عن النفس بلفظ (أنا), فهو غائب وأنا الحاضر والغائب غير الحاضر كذلك النفس غير البدن ,فهو الأجزاء وأنا النفس .
"طريق آخر: بأن البدن غير النفس ,بدنك أبداً في تحليل وسيلان إذا تأتي الغاذية بما تأتي عند ورود الجديد الحاصل بين الغذاء" :
البدن في تحليل أي حركة دائمة ,خلايا تموت وخلايا تتولّد وتتجدّد, وهكذا هو بدن الإنسان يموت ويتجدد في كل آن, فهو غير ثابت متغير على الدوام ,وإذا جاءت القوة الغاذية التي هي قوى من قوى النفس الناميّة النباتيّة ,فإذا جاءت القوى الغاذية: أي أنت تأكل وتتغذى, والغذاء يصبح في الجسم شبيه به,(يصبح الطعام من جنس المتغذي ,من لحم ودم ودهن وعظم )ويصبح من جنسه حتى يأتي بدله, لأن الخلايا تتولد وتموت وتتجدد من الغذاء, وهي مهمة الغاذية في البدن ,وعندمانرى أن البدن يكبربشكلٍ كبير لا نرى الجسم يكبر بهذه الطريقة لأن هناك تحلّل وخروج من الجسم (موت وخروج من الجسم )
"فلو كنت أنت هذا البدن أو جزءاً منه اتبدلت أنائيتك كل حين ":
فلو كنت انت البدن أو جزء منه لكنت كل يومٍ شخصٌ آخر وكل لحظة لأن هذا البدن لا يبقى على وتيرة واحدة لحظتين ,ولكن انا من أول العمر إلى أخره ما زلت نفس الشخص, فأنا إذن ثابت أما البدن متغير .
البرهان الاول: عن الإدراك ,انت لا تنسى نفسك .
البرهان الثاني :عن حركة والجسم وتبدله .
"وما دام الجوهر المدرك منك ,فأنت أنت لا بدنك ,وكيف يكون ويتحلل":
النفس جوهر مدرك درّاك ,جوهر عين الشعور ,فالنفس عبارة عن الشعور ,أي عالمٌ حاضرٌ شاهدٌ ,وهذا الشعور المستمر (أنا) ,فلا نستطيع سلب هذا الشعور المستمر عن النفس لأن ذات النفس هو الشعور وذات الشيء لا تسلب عنه, لانها ليست صفة عارضة من الخارج ,هذا الجوهر مدرك يدوم ويستمر مدة العمر ,فهي في حركة تكاملية دائمة . فكيف يكون هذه أنيّتك وكينونتك وهو يتحلل ؟ والبدن ليس لديه شعور وغافل ,أما الحركة موجودة ومستمرة, وليس عندك منه حيّز: مئات الخلايا تموت ومئات منها تتولد وانت غافل لا علم لك بها وهذا الشعور ليس موجود لأنه البدن هو .
"أنت وراء هذه الأشياء" :
الأشياء أي البدن وأجزاءه , البدن متغير وأنا ثابت والثابت غير المتغير إذن أنا لست البدن :
*التغيّر عند شيخ الإشراق : يعتقد شيخ الإشراق بأن البدن متغيّر ومتبّدل بحسب الكم والكيف والعوارض والهيئات, والفرق عند الملا صدرا بأن التغيّر والتبّدل بحسب الذات والجوهر (وهي ما يسميها الحركة الجوهريّة وبناء عليها أن جوهر البدن متغيّر والنفس ثابتة ,فالمتغير ذات الجسم في كل البدن وليس في أجزاءه فقط, فكل آن هذا البدن غير البدن السابق لانه يتحول إلى بدنٍ أخر,هذا حسب الحركة الجوهريّة) .
طريق آخر على تجرد النفس :(الثالث )
(إلى الان يريد شيخ الإشراق أن يبين الفرق بين النفس والبدن فقال :أنت وراء هذه الأشياء ولم يتحدث عن تجرّد النفس بل ميّز بين الجسم والنفس فقط)
"لا تدرك أنت شيئاً إلا بحصول صورته عندك" :
أي كيف يدرك : يتكلم عن العلوم الإكتسابيّة ,التي نكتسبها في الحياة ,يقول: أنت تدرك الأشياء بحسب الصورة ,وصورة الشيء في الفلسفة هي الماهيّة ,وهذه الماهيّة كما في الخارج هي في الذهن (لأن الماهيّة عند شيخ الإشراق هي الاصيلة بعكس المشاء والحكمة المتعاليّة) لا تدرك شيئاً إلا بحصول صورته عنك , أي ماهيته تصبح لديك .
"لإنه يلزم أن يكون أن ما عندك من شيء الذي أدركته مطابقاً له ":
إذا لم تأتي ماهية الشيء عندي ,ماهية الشيء ما به الشيء هوهو لا يتحقق عندي فلا أستطيع أن إدراك ذات الشيء ,وكيف لي أن أدرك الشجرة إذا لم تتحقق عندي ماهيتها في الذهن ؟ فماهي الشجرة في الذهن هي هي في الخارج ,فالماهية في الذهن إعتباريّة عند كل الحكماء وإن كان فيها خلاف في الخارج ,
هذه الماهيّة هي نفسها في الخارج دون زيادة أو نقصان وإن كان غير ذلك فليس لدي أي علم بذلك ,فماهية الشجرة الموجودة عندي (أي صورتها ,فالماهية هي الصورة عند الفيلسوف فعندما يقول أن العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء في الذهن أو العقل يعني بذلك الماهيّة وليستالصورة شكل وطول وعرض, فالعقل الفلسفي لا يتصور أوراق وأغصان الشجرة بل يتصوّر جسم نامٍ (فالجسم واحد عند الإنسان والشجرة والحيوان ولكن الإختلاف بالصور النوعيّة إي الماهيات). الماهيات عند شيخ الإشراق هي الأصيلة وعن الملا صدرا إعتبارية .
*ما هو الإدراك : حصول هذه الماهيات عند الذهن ؟وإذا كانت هذه الماهيات في الذهن لا تحاكي الماهيات في الخارج بماهي هي ,فلا علم لنا عن هذه الماهيات الموجودة في الخارج ولكن إذا كان لدينا علم فهذه الماهيات تُترجم في الواقع الخارجي.
"وعقلت معانٍ يشترك فيها كثيرون ":
أنت تدرك معنى الحيوانيّة وهو جنس وله أنواع .
"فأنت عقلتها على وجه يستوي نسبتها إلى الفيل والذبابة فصورتها عنك غير ذي مقدار لأن تطابق الصغير والكبير":
فعندما نقول الفيل حيوان كذلك الذبابة حيوان, فمعنى الحيوانية ينطبق عليهما بنفس المعنى, فالحيوان معنى مشترك فيه كثيرون ,وهذه أي الماهية الموجودة عندك ليست ذي مقدار ,وإلا لكان مقدار الفيل لا ينطبق على الذبابة ولكن نجد أن الحيوانيّة تنطبق على الكل , هذه الصورة موجودة وحالّة ومحلها أنت :في فكرك وذهنك وعقلك .
"فمحلها منك أيضاً لا يقدّر وهو نفسك الناطقة لأن ما لا يتقّدر لا يحمل في جسم فنفسك غير جسمك ,ولا جسمانيّة" :
الصورة الماهية التي موجودة عندك مجرّدة عن المقدار وهي حالّة في عقلك وإذا كانت كذلك فنفسك وعقلك وذهنك كذلك غير مقدار .من هنا نستنتج أن النفس غير الجسم لأن إذا كان الحال متقدّر كان الحال به متقدّر وبما أن الحال غير متقدّر بحال به غير متقدّر .
"ولا يشار إليها لتبديها عن الجهة ,وهي أحديّة صمديّة لا تقسمها الأوهام أصلاً لأما علمت أن الحائط لا يقال له أعمى ولت بصير" :
صمد لا جوف له وإذا لا جوف له لا ثاني له ,أحديته صمديّة ,ولما علمت : عند الإشراق أي أمرٌ معروف ,ان الحائط لا يقال له أعمى لأن الأعمى يطلق على الشيء الذي من شأنه أن يبصر ويرى .
"فالباري تعالى والنفس الناطقة ليست جسماً او لا جسمانيّة ,فهي لا داخلة العالم ولا خارجه ,ولا متصلة ولا منفصلة" :
فالله تعالى ليس بجسمٍ, كذلك العقول والنفس ,وكل ماليس بجسم لا داخلة في العالم ولا خارجه ,
*مطلب مهم : الله تعالى هل هو داخل العالمأم خارجه ؟
لا نستطيع أن نطرح هذا السؤال كما لا نستطيع أن نقول الحائط أعمى أو بصير ,فالله تعالى لا يوصف بالدخول مقابل الخروج ,فالنفس الناطقة البشريّة لا داخل الجسد ولا خارجه. فإذا قلنا أن النفس داخل البدن أي هذيّتها الدخول في البدن فيجب أن لا تكون خارجه ونح نرى النفس خارج البدن كفي المنام مثلا فكل نفس يتوفاها الله إليه في المنام وعند الصباح ترجع إلى أبدانها .النفس لا توصف داخل البدن أم خارجها .لذلك نقول أن النفس الناطقة لا من شأنها أن تكون داخل البدن ولا خارجها بل هي محيطة به فيمكن وصفها بالإحاطة ولكن لا نستطيع وصفها بالدخول أو الخروج .(النفس هي المكوب والبدن به الراكب ولكن لا داخل ولا خارج بل ميحط بالبدن فثقل البدن كله على كاهل النفس)
"وكل هذا من عوارض الأجسام ,تتنزه عنها ماليس بجسم":
أي الدخول والخروج هي من عوارض الأجسام وما ليس بجسم لا يتصف بالدخول والخروج .
"فالنفس الناطقة جوهر لا يُتصور أن تقع عليه الإشارة الحسيّة ,من شأنه أن يدبر الجسمويعقل ذاته والأشياء ":لا نستطيع أن نشير إلى النفس بالإشارة الحسيّة ونقول أنت هنا أو هناك ,نعم الإشارة العقلية ممكن ,وشأن النفس تدبير البدن والمدبر لا من الداخل وليس من الخارج بل محيط والنفس شأنها التدبير والتصرف .وهي أن تدرك ذاتها والأشياء الخارجيّة فهي جوهر درّاكة ومتصرفة في البدن تصرّفاً تدبيريّاً
"كيف يتوهم الإنسان هذه الماهيّة القدسيّة جسماً ,وإذا طربت طرباً روحيّاً ,تكاد تترك عالم الأجسام وتطلب عالم ما لا متناهي"؟:
فالنفس هذا شأنها فكيف يتوهم بانها جسم ,فأحياناً نشعر بطربٍ قوي يجعل من النفس أن تترك التعلق بالجسد وتدبيره وتسافر إلى عالمها .
*الموت هو نوع من الإدراك لهذا تترك الروح الجسد .فكل شخص يموت يصل إلى مرحلة من الإدراك ,فالنفس ذاتها شعور وإدراك ,لأن النفس جوهر درّاكة ,تدرك نوع معين من الإدراك فتترك تدبير الجسد ,أما نحن فنعيش في دار الغفلة .
*أقسام النفس : لإثبات عملية النفس: نحن نشاهد الأجسام ونستطيع أن نشير إلى الجسم إشارة حسية ونؤمن بوجود الأجسام ولا نشك أن هناك جسم ,هذا الجسم إذا ذات فعل واحد بألإرادة إسمه النفس أي الجسم يفعل فعل واحد ويصدر منه فعل واحد مثلا :الحركة أو النمو ,فإذا هذا الفعل إرادي فسيكون صادر عن الجسم الذيهو نفس وإذا كان فعل واحد غير إرادي نسميه الطبيعة (الطبيعة ليست لها إرادة وهذا عند عامة الفلاسفة إلا الملا صدرا يعتبر ان إلإرادة موجودة في كل شيء فالنفس النباتيّة والنفس الحيوانيّة فيها حركة وأن كانت حركتها بالميل والشوق لذلك قال البعض التحرك بغير إرادة)أفعال مختلفة دون إرادة يسمى النفس النباتيّة (عند القدماء) .إذاً أفعال مختلفة بالإرادة هي النفس الحيوانية وأفعال مختلفة مع إدراك المعقولات بالإرادة فهي النفس الناطقة الإنسانيّة .
وكذلك يقسّمون النفس إلى قسمين :نفس أرضيّ’ ونفس فلكيّة : الجسم إما عنصري مادي طبيعي إما جسم فلكيّ أما النفوس النباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة هي نفس أرضيّة وهناك نفوس فلكيّة ,أي الفلك له نفس وإرادة وشعور.
النفس الناطقة جوهر مجرد لا ماهيّة لها عند كل الحكماء ومن بينهم شيخ الإشراق وعبارته "النفس وما فوقها إنيّة صِرّفة ووجودات بحتة (هنا خرج عن أصالة الماهيّة )أي ليس للنفس ماهيّة لإإن الدقة الفلسفيّة أخذته لهذا القول وإن كان يعارض مبنى من مباني فلسفته لأنه قول الحق والملا صدرا يتمسك بها القول.
النفس الناطقة لا ماهيّة ولا حد ولا تعريف لها فهي جوهر مجرد . لذلك لا يوجد لها تعريف إلا إذا عُرِّفت من خلال إحاطتها بالبدن بما أنها متصرفة به, فيصبح لها حد وتعريف ولكن النفس الناطقة بما هي هي دون تعلقها بالبدن لا ماهيّة لها فلا تعريف لها .
*تعريف النفس :
النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة (تعريف للنفس المتعلقة بالجسم)
- كمال :كمال الشيء فعليّته,هذيّته الصورة المحصلّة من الشيء .
- كمال أول :سبب شيئيّة الشيء أن يكون نوعاً محصلاً بالفعل ,مثل الصورة النوعيّة الحديديّة للحديد أو سيفيّة السيف بحدّته فهذا كمال أول للسيف كمال ثانٍ للحديد ,فعندما يصبح الشيء الصورة النوعيّة فهذا كمال أول .
- كمال ثانٍ :أي يتكامل الشيء في صفاته الكماليّة مثل العلم والقراءة والكتابة .(النفس كمال أول أي أصبح إنسان وكمال ثانٍ ماليس بأول وهو مئات الكمالات )
- لجسمٍ:أي عالم الأجسام والدنيا والنفس ولكن من حيث تعلقها بالبدن - حتى لا يكون الكلام عن النفوس المفارقة وعالم العقول التّامة وعالم المجردات .
- طبيعي : نكون قد أخرجنا بذلك من التعريف الجسم التعليميّ والصناعيّ والمثاليّ.
آليٍّ: بقراء الجر يكون صفة للطبيعي وصفة للجسم أي جسم طبيعي ذو آلة وهو أعم من آلالات بمعنى قوى أو أعضاء والبدن .
آليٌّ: على قراءة الرفع ,يصبح صفة الكمال ؛النفس كمال أولي آليٌّ (خبر للنفس المبتدأ وآلي صفة للنفس)ولكن آليٌ أو آليٍ :هي أعم من القوى مثل الغاذيّة والناميّة والأعضاء والجوارح مثل القلب والكبد واليد والرجل.أي هذا الجسم ذو آلاتكمال لهذا الجسم .بما أن هناك أجسام بسيطة ,جماد بسيط ليس بآلة وهذه فعلها ليس بآلة.
ذي حياة بالقوة : يصدرعنها أفعال الأحياء (أحياناً وليس دائماً) ,هذا الجسم ذو حياة وهذه الآلات أيضاً ذو حياة ولكن الأفعال التي تصدر عن الألات بالقوة وليس بالفعل أي لا تعمل دائماً حتى يخرج من التعريف النفوس الفلكيّة .لأن النفس الفلكي ذائم الفعل (ذي حياة بالفعل ) .الأفلاك لها نفوس ولكن بالفعل وهذه النفوس دائمة الحركة ,والحركة وصف لها وهي حركة دائيريّة شعوريّة تكون من النفس لامم من غيرها وهكذا أثبتوا بأن للأفلاك نفوس .
*النفوس الأرضيّة :
- النفس النباتيّة :وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي يتغذى وينمو فقط, (وهي متعلة بجسم النبات ,ومن حيث التعلق والتدبير لها حدٌ وماهيّة). ولها قوى منها :
1-الغاذيّة :وهي لبقاء النفس :لها الخدام الأربعة:الجاذبة, الهاضمة,الماسكة ,الدافعة.
2-الناميّة أو المُنميّة وهي لكمال الشخص .
3-المولّدة وهي لبقاء النوع.
-النفس الحيوانيّة : وهي كمال أول لجسم طبيعي الذي يحس ويتحرك بالإرادة فقط (الشوق والميل) .
- النفس الإنسانيّة : كمال أول لجسمٍ طبيعيّ آلي يعقل الكليات ويستنبط آراء .(وإذا لا يعقل الكليات يكون حيوان) (أولأك كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
* تعريف النفس الفلكيّة:
كمال أول لجسمٍ طبيعي آلي ذي إدراك وحركة دائمة.
*الإدراك :
مسألة إدراك الحقائق الكليّة :أي أن الأنسان يمكنه ان يدرك المعنى الكليّ وفي هذا المعنى لا يوجد مقدار وحدّ وهوينطبق على الجميع كمعنى الحيوانيّة الذي ينطبق على الأفراد بشكل متساوي كلي متواطئ ,فإدراك الحقائق الكليّة أو الماهيات الكليّة دليل على تجرد النفس فالكليّ مجرد والنفس التي تعقله يجب ان تكون مجردّة .
شرح ذلك:
التعقل أي الإدراك ثلاث انواع : أما بإرتسام أي الحصول أما حضور أما إلإتّحاد .
1- التعقل الكلي بمعنى الإرتسام أو (الحصولي ) إرتسام الصورة الكليّة في النفس ,المعقول الكلي عارض والنفس المتعقل معروض ,فالنفس هي التي تصور المعنى الكليّ يلزم من ذلك تجرّد المعروض ,فالعلم صورة حاصلة من الشيء عند الذهن :فهي عارض والنفس معروض وهذه الصورة الكليّة مجردة ,أي العارض مجرد فيلزم تجرد المعروض فينتج عن ذلك تجرد النفس .وهذا الأمر فيه خلاف فيه بين المشاء والإشراق .
2- (عند الإشراق بالحضور) التعقل يعني إنشاء النفس والحضور إذاً ليس حصوليّاً .العلم عند الإشراق هو حضوري حتى العلوم الحصوليّة والعلوم الحسيّة هو حضوريّ. لقد سميت فلسفته بالإشراق لأنه يقول بان العلم إشراق فالنفس تشرق على المعلوم وهذا يؤدي إلى العلم فالعلم عنده يخرج من صنع النفس وليس صورة عارضة على الذهن أو العقل بل من إنشاءات النفس فالمعقول بما هو معقول حاضر لدى النفس وليس صورته والمعقول مجرد والكليّ مجرّد وحضور المجرد عند النفس يؤدي إلى تجرّد النفس .
النفس مجردّة عند الإشراقيين لأنها توجد الصورة الكليّة والصورة الكليّة مجردة وهي معلولة والنفس علّة علها ,فإذا كانت الصورة مجردة وهي معلولة للنفس فينبغي أن تكون علّتها أقوى وجوداً من المعلول وأقوى تجرداً .
3- التعقل بالإتحاد (أي عندما تدرك الكليّ فأنت تتحدّ مع الكلي كإتحاد العاقل والمعقول عند الملا صدرا وهذا نسب إلى فرقريوسأما إبن سينا لم يقبل به ). إذا كان التعقل بالإتحاد فالمعقول مجرد واننفس مجردة فبإتحادهما مع بعضهما يصبحان شيئاّ واحداً فأن الإدراك إن كان كلي أو جزئي فيصبح الإنسان قيمته بحسب إدراكه , فإذا أردت أن أعبر عن نفس فأنا الأدراك فإذا أدركت المادة أو الاكل والشرب فأنا الأكل والشرب لأن هناك إتحاد بين الحاس والمحسوس ,بين الوهم والمتوّهم ,بين الخيال والمتخيّل ,فالمعقول مجرد لأنه كلي وهو أحد المتحدين وحكم أحد المتحدين يسري إلى الآخر ,هذه قاعدة ,أحد المتحدين معقول مجرّد فالنفس مجرّد.
*قوى النفس :
مطلق الإدراك عند شيخ الإشراق حضوري وهو يؤمن بالإدراك الحصولي ولكن يعتبر بان هناك حضور من النفس في كل إدراك ,حتى في الإدراك الحصولي يوجد إدراك حضوري (مثلاً صورة الطاولة موجودة بالذهن هو علم حصولي ولكن علم النفس بالطاولة هي من خلا ل الصورة هو علم حضوري ,مطلق الإدراك عنده حضوري .والزائد على ذلك عند شيخ الإشراق علم من إشراق النفس ,يعتبر كل العلوم من إشراقات النفس ومن إفاضاتها ,حتى العلوم الحسيّة التي من خلال الحواس الخمسة الظاهريّة هي علوم حضوريّة (كالشعور بالرائحة والعلم بها ).
في هذه المسالة أسس شيخ الإشراق بنياناً مرصوصاً وكل من جاء بعده اقتدى به, ولكن هناك إختلاف في مسألة علم الله فالمشاء والملا صدرا يعتقدون علم الله هو علم بالصور وهذا بالنتيجة هو علم حصولي .
* كانتالفلاسفة تعتقد قبل شيخ الإشراق أما بقول الطبيعين الأبصار بمعنى الإنطباع أو كانوا يأخذون بقول الرياضيين أن الأبصار بمعنى خروج الشعاع, ولكن شيخ الإشراق يخالف ذلك فلا إنطباع ولا شعاع بل إنشاء, فالنفس الناطقة والبشريّة الغنسانيّة تنشأ صورة مطايقة للشيئ الذي تراه في الخارج وانت ترى تلك الصورة ومن خلالها تشير إلى الشيء الموجود في الخارج .أي إنشاء في النفس لا بخروج الشعاع ولا بالإنطباع. وإذا كان هناك موانع مثل العمى فلا يوجد عند النفس إستعداد ليرى فالنفس يجب ان تستعد لأن مطلق العلم هو إشارق النفس .
*حول علم الله : الله عالم بكل شيء جزئي وكلي وعنما نقول أن الله سميع بصير أي عالمٌ بالمسموعات وعالمُ بالمبصرات ,عالمٌ بكل شيء ,وهناك خلاف بين شيخ الإشراق وبين المشاء ,فالمشاء يقولون أن الله بصير أي ان الله عالم بالمبصرات ,أما شيخ الإشراق أن الله بصير أي أن الله يرى "ألم تعلم بأن الله يرى"............................والنفس الناطقة الكليّة بصيرة بكل شيء وكل إنسان بحسب إدراكه "أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا" هذا علم مليء بالجهل .لكن النفس الناطقة حيث تعلم شيء أي ترى .
الهيكل الثاني : الفصل الثاني في قوى النفس
*المبحث الأول في النفس الإنسانيّة
المقدمة:
الفلسفة الإشراقيّة كما هي بسيطة وسهلة بذات الوقت هي صعبة وعميقة كفلسفة الملا الصدرا فعند دراسة الفلسفة الإشراقيّة يجب أن نكون محيطين بالفلسفة المشاء لأن الفلسف الإشراقيةمبنيّة على إنتقاد المشاء, فالسهروردي يقول عن نفسه :أنا لست أقل من إبن سينا مشائي إذا لم أكن أكثر منه فلا أقل مثله . وفي نفس الوقت يرى الثغرات في هذه الفلسفة ويبني بناءاً جديداً , لأن من يريد أن ينقد فكرة عليه أن يفهما فشيخ الإشراق درس الفلسفة المشائيّة وفهم مبانيها وزاد عليها ,وحتى نفهم الحكمة المتعالية علينا ان نفهم المشاء ولإشراق فالملا صدرا إستفاد من المشاء والإشراق ومدحهم في كتبه وقال إنهم قرة أعين أصحاب الفكر والنظر .
ركز شيخ الإشراق في المبحث الثاني على ان النفس جوهر نوراني أما الجسم فهو جوهر مظلم غاسق ,وتختلف الأجسام بعضها عن بعض بحسب الهيئات أي الأعراض كما يعبّر عن الجسم بالبرزخ .فالجسم جوهر مظلم لا عالم بذاته ولا عالم بغيره (عند الملا صدرا يختلف :يقول الوجود بما هو موجود شاهد ومدرك في مرتبته الجسميّة أو الروح أو الواجدية) فنح لا نستطيع أن نضع مكان النور الوجود فمصطلح النور عند شيخ الإشراق هو الوجود عند الملا صدرا ,ولكن عند الإشراق النور هو الماهيّة لأصالتها عنده والجسم عنده جوهر مظلم لا مدرك بذاته ولا بغيره .
عند الملا صدرا الوجود مشكك وفي مراتب الوجود يوجد إدراك ولكن بإختلاف فلا نستطيع ان نقول أن الوجود والنور متساويان ,نعم عند الملا صدرا النور والوجود متساوقان ولكن عند شيخ الإشراق هما مختلفان والتشكيك في الماهيّة.
يقول شيخ الإشراق حقيقة النور ماهيّة وهي الأصل كما انها مشككة ذو مراتب في النور وهي مسألة مهمة لم يقدمها أحد قبله .مسألة التشكيك كانت موجودة ولكن في أمور ثلاث :أن الشيء يختلف عن غيره أما بتمام ذاته أو ببعض وجزء الذات أو بالعوارض الشخصيّة الخارجيّة ,أما شيخ الإشراق فقد زاد أن الإختلاف يكون أيضاً بالتشكيك ومثاله النور ,فالنور يختلف عن النور بنف النورانيّة لا بشيء خارج عن النور , فالشدة والضعف بماهيّة واحدة يجعل هذه الماهيّة مختلفة .
التشكيك أي هناك إختلاف وهناك إشتراك ,يوجد أربعة أسس للتشكيك :
1 - لكثرة الموجودة حقيقية في ماهيّات الأنوار ,أي نور يختلف عن نور حقيقة وواقعاً ,هناك إختلاف أي كثرة .
2-نفس الوحدة يوجد كثرة وإشتراك ,وحدة حقيقية وكثرة حقيقية .
3-يجب ان نؤمن أن كل الكثرات ترجع إلى الوحدة .
4-الوحدة تسري وتجري في الكثرة .
صلب التشكيك هو الوحدة في عين الكثرة .(العرفاء يعتقدون بوحدة الوجود فلا وجود لمفهوم التشكيك عندهم ).وهذه الفكرة لم تكن عند المشاء ولكن شيخ الإشراق وجدها في الماهيّة والملا صدرا أخذها عنه ولكن لم يستخدمها في مصداقه بل وضعها في الوجود .
- تابع الهيكل الثاني في قوى النفس : 132
"هذه النفس الناطقة لها قوى من مدركات ظاهرة ..... ":
هذا الترتيب بحسب الاقوى عند الإنسان :اللمس ,الذوق ,الشم , السمع ,البصر, وهذه الحواس الظاهرة مقابل الحواس الباطنة .
"وهو الذي يشاهد صور المنام معاينة لا على سبيل التخيّل":الإنسان النائم يرى المنام ولكنه يرى الصورة ويسمع الصوت ويشم الرائحة ويشعر بالحرارة وهذا كله وهو نائم ,فكل هذا موجود في الحس المشترك الذي هو داخل الإنسان فالحس الباطني لا ينام ,فهو يعاينه كأنه يراه في الخارج فليس تخيلاً بل حقيقة .
"ومن الحواس الباطنيّة الخيال وهو خزانة الحس المشترك وتبقى فيها الصور بعد زوالها من الحواس": قوة الخيال هي التي تخزّن ,فالحس المشترك هو حوض يدخل فيه المحسوسات ولكن قوة الخيال هي التي تحافظ على مئات الصور التي تخزن على مر السنين ,فعندما ترى الشخص بعد عشرات السنوات تتذكر كل ما دار بينكم من كلام, فلو كان فقط الحس المشترك أو الحس الظاهري لما إستطعت تذكّره بل صورته موجودة في خزانة إسمها الخيال .ولكن الخيال ليس معناه الوهم بل هو قوة حقيقية موجودة في داخل الإنسان أو باطن النفس ,فالحس المشترك هو مدرك الصور حافظها .
"ومنها القوة الفكريّة التي بها التركيب والتفصيل والإستنباط" :مكن أن نسميّها المتخيّلة ولكن يجب الإلتفات بأنه يوجد فرق بين المتخيلة والخيال , إذا كانت هذه القوى تحت سيطرت العقل ,أي العقل يستخدمها فتسمى الفكريّة أو المفكّرة إذا كانت تحت سيطرة الوهم ويستخدمها تسمى المتخيّلة , وفي هذه القوة تركّب الصوّر وتفصّل (صورة مع صورة ,او معنى مع معنى).
ومنها الوهم الذي ينازع العقل في قضاياه : الواهمة تنازع العقل وتعارضه ولا تؤمن بما يؤمن به العقل , والجدال الأساسي في مملكة الإنسانيّة بين الوهم والعقل .
"حتّى أن المنفرد بميّتٍ في الليل (أو بيت في الليل) يؤمنه عقله ويخوّفه وهمه ......اإلا السطح الظاهر دون سمكة".:أكثر الناس يمشون وراء الوهم وينكرون ما وراء المحسوسات (العقول ,النفوس ,الاوهام كلها أمور غير محسوسة), حتى الجسم لا يُحس فنحن نرى من بعيد شيءُ له كم ولون وشكل فنسميه جسم ,فهو غير محسوس حتى سمكه فهو جوهر لا يدرك بالحس .
"ومن الحوس الباطنة ,الحافظة وهي التي يكون بها ذكر سائر الوقائع ": الحافظة بالنسبة للواهمة كالخيال بالنسبة للحس المشترك ,الخيال هو خزانة للحس المشترك ولحافظة هي خزانة الواهمة وشأنها إدراك المعاني الجزئيّة والحس المشترك إدراك الصور .
"ولكل من الحواس الباطنة موضع من الدماغ يختص به ويختل ذلك الحس بإختلاله":
الدماغ هو المخ وليس العقل أي خلايا ماديّ’ جرميّة موجودة في رأس الإنسانفكما الباصرة في العين والسامعة في الإذن كذلك الخيال والواهمة والحافظة في الدماغ كما كل الحواس الباطنيّة الخمسة هي في الدماغ .فللدماغ ثلاثة بطون أو تجاويف: 1
1- التجويف الأول من الدماغ :مقدمته الحس المشترك ومؤخرته الخيال .
2-التجويف الثاني أو الاوسط من الدماغ : مقدمته محل للمتخيّلة ومؤخرته محلّ للواهمة .
3-الجويف الأخير : محل للحافظة .
مع سلامة ما عداه من الحواس وبذلك يعرف تغاير القوى وإختصاصها بمواضعها .
*المبحث الثاني : في قوى الحيوانات:
" للحياوانات قوى شوقيّة ذات شعبتيّن : منها شهوانيّة جعلت لجذب الملائم وغضبيّة خلقت لدفع ما لايلائم":الحيوان عنده قوى مدركة ومحركة.
مدركة : الحيوان يدرك أن هناك طعام وهو بحاجة أليه ,وهي على قسمين : إدراك الملائم وإدراك المنافر .فالغنم يفر من الذئب منخلال إدراكه (الملا صدرا يؤمن بتجرد النفس لذلك يقول أن هناك بعض قوى الإنسان موجودة عند الحيوان ) الحيوان عنده شوق فاعل ومتحرك بالشوق ذات شعبتين : شهوانيّة وهي عبارة عن جذب الملائم ,وغضبيّة ما لا يلائم .
محركة : المحركة هي أيضاً شوقيّة باعثة نزوعيّة ميل ,أي حيوان متحرك بالشوق .
*المبحث الثالث :في حامل القوى :
وحامل جميع القوى المحركة والمدركة هو الروح الحيواني ....
يوجد هنا مسألة مهمة ,نستطيع أن نقول عن الحواس الظاهريّة أنها في العين وفي الإذن ,والحواس الباطنيّة في الدماغ وان نشخصها, وكل هذه القوى والحواس الخمسة الظاهريّة والباطنيّة والحس المشترك أين موجودة؟ فإذا قلنا أنها موجودة في الروح الحيواني وليس الروح الإنساني لأن الروح الإنساني هو شيء أخر (ونفخت فيه من روحي ).
"وإذا وقعت سدة تمنعه عن النفوذ إلى عضو يموت ذلك العضو وهو مطية تصرفات النفس الناطقة وتتصرف النفس البدن ما دام" : إذا إنسد أي شريان مثلاً تمنع من سريان الروح الحيواني يموت ذلك العضو ,وإذا انقطع الروح البخاري انقطع تصرف النفس في البدن ",وهذا الهيكل الحيواني غير الهيكل الروح الالهي الذي يأتي في كلام النبوات......"
الروح الحيواني قائمة في الجسد وتسري في البدن .
* الفصل الثالث :في دفع الأراء الفاسدة حول ماهيّة النفس
"وجماعة من الناس(أي المفكرين أو المتكلمين أو المفسيرين أو فقهاء الشريعة) لما تفطنوا أن هذه غير جسميّة توهموا أنها الباري تعالى وقد ضلوا ضلالاً بعيدا فإن الله واحد ": حتى غير الفقهاء قالوا أن النفس غير مجردة لأن المجرد هو الله وهي غير الله يعني غير مجردة لأنهم كانو يعتقدون أن التجرد فقط من صفات الله سبحانه ,وجماعة من المتكلمين كانوا يعتقدون ان النفس هي الله .الصحيح أن النفس مجردة والله سبحانه وتعالى مجرد وبين هذا المجرد وذاك بون بعيد .
وقد ضلوا ضلالاً بعيدا :الله واحدوالنفوس كثيرة بحسب تعداد البشر فإذا كان الله هو النفس فيجب أن يكون الله بعدد البشر فالله سبحانه واحد ليس كثير ,أو ينزلون من مقام الله ليرفعوا مقام النفس كما فعل البعض الذين يحاولون تنزيل مقام الرسول (صلى الله عليه واله وسلم ) ويرفعون مقام الصحابة حتى يكونوا خليفة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم ). و"لو كانت نفس عمرو واحدة لأدرك أحدهما جميع ما أدرك الآخر ولاطلع كل الناس ما أطلع عليه الكل ..".: النفوس كثيرة ولا يمكن أن تكون واحدة لأدرك جميع ما أدرك الواحد وهذا ليس صحيح لأن ما يدركه زيد غير ما يدركه عمرو وإذا قلنا ان النفس هي الله فكيف يكون الله مع قوى البدن ويديرها ويدبر أمرها , وكيف يكون هي الله والنفس رهينة الشهوات وأسيرة الهوى ولا يكون مركب من أجزء لأن ذلك إنحراف (ونفخت فيه من روحي ) ليس على نحو التبعيض بل بمعنى النسبية أي منسوبة إليه وهي نسبة إشرافيّة ولا يمكن أن تكون النفس جزء منه لأن ذلك يؤدي إلى التركيب والله واحد ولا يمكن تجزئة الواحد (الولد يتصور أن الله أخر السماء, هناك كتلة من نور وأنا جزء منه, فلا هو كتلة من نور ولايمكن أن أكون جزء منه ).
*النفس هل هي قديمة أم حادثة؟
أفلاطون يعتقد بقدم النفوس وبما أنه هو رئيس الإشراق فيجب أن يكون فلسفته هي المنهج ولكن شيخ الإشراق خالف الرأي وقال بحدوث النفس كذلك الملا صدرا والمشاؤون .
"آخرون توهموا قِدَمها ولم يعلموا أنها لو كانت كما زعموا متجردة ......بعالم الموت والظلمات": .
إن أفلاطون والإشراقيون إذ اعتقدوا بأن النفس قديمة وقبل البدن والدنيا مجردة ولها حياة ونور وسعادة ,فكيف تترك اللذات والبهجة التّامّة وتأتي لتتعلق بالبدن ومشاكل الدنيا وعالم الظلمات؟ الله لا يفعل ذلك لأنه ظلم لها والله حكيم ,فما هي الحكمة من هذه الهجرة ؟
"فمن الذي قهر القديم وحبسه ؟حتى إنجذبت من عالم القدس والنور؟"
من الذي جعلها تترك عالم القدس وتأتي إلى هذا العالم لتحل في بدن طفل ضعيف عاجز ,وإذا كانت قديمة فكيف تمتاز النفوس عن بعضها البعض وهي كلها قديمة ونوع الغنسان نوع واحد متفق .
"ولا يصح أن تكون واحدة ......بل هي حادثة مع البدن إذا تم إستعداده لقولها ."
فإذا كانت حقيقتها واحدة وتتعدد بتعدد الأبدان فلا دليل عليه ,ولا دليل على قدمها وهذا الكلام يضعنا أمام الكثير من الأسئلة .
أما القول بحدوث النفس فهو جليّ عند المشاء وشيخ الإشراق وجوابهم : بأن الله سبحانه أَوجد البدن أوجد النفس ثمّ امرها أن تتعلق بالجسد ,خلق النفس وخلق البدن ثم ركبهما (جعلٌ وجعل ,وخلقةٌ وخلقة) أما عند الملا صدرا جعلٌ واحد وخلقةٌ واحدة .فشيخ الإشراق وجد إذا إعتقد بقد النفس سيواجهه الكثير من الأسئلة لا جواب لها ولكن مع الإعتقاد بحدوثها فكل شيء أمامه واضح .
"لأما رأيت فتيلة مستعدة لتشتعل من النار ......."
النفس من الله (فنفخت فيه من روحي) ولكن الله لا ينقص منه شيئاً,وليس بمعنى جزء بل أوجد النفس وخلقها مه البدن .
*النفس حادثة مع حدوث البدن
هناك تعابير عدة حول هذا المحور فتارة نقول:
1- النفس حادثة بحدوث البدن
2- النفس حادثة مع حدوث البدن
3- النفس حادثة بتعيين البدن .
الإحتمال الأول :الباء تصبح سببيّة أي يجب أن يكون البدن هو علّة حدوث النفس ونحن نعرف نعرف أن وجود العلّة يجب أن يكون اقوى وجوداً من المعلول أي يجب ان يكون البدن أقوى وجوداّ من النفس وهو ليس كذلك ,فلا يعبر بهذا التعبير , إضافة إلى ذلك ان النفس باقيّةوالبدن فانٍ فلا يمكن لفانٍ ان يكون سبباً لوجود باقٍ . ونحن نعرف العلّة المحدثة هي نفسها العلّة المبقيّة ,فعلة الحدوث هي ذاتها عاّة البقاء .
الإحتمال الثاني: يوجد حدوثان : حدوث البدن وحدوث للنفس , وهو رأي المشاء والإشراق .
الإحتمال الثاث : وهو رأي الملا صدرا : لا يوجد سوى حدوث واحد ,فالنفس حادثة بعين حدوث البدن ,أي كما النفس تتولد فالبدن يتولد وشيئاً فشيئاً البدن يتكامل والنفس تتكامل من النباتيّة إلى الحيوانيّة إلى الروح البخاري الحيواني ومنه إلى النفس الإنساني تكامل بالحركة الجوهريّة , تعبير الملا صدرا : النفس جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء .
*مختصر مفيد :
النفس جوهر نوراني مجردّ عند الفلاسفة ولكنه متعلق بالبدن .وهذا التعلق هو أمر بذات النفس موجود .اي هذا التعريف بذاتيات الشيء , فإذا سميناها نفساً يعني متعلقة بالبدن وهي مديرة ومدبرة له أما من غير بدن إسمها روحأ وعقل . وهذا التعلق بالبدن والتدبير له ,شيئا فشيئا يحدث بحوث البدن . في البداية يكون ضعيف وكلما قوي البدن تقوى المفس والتدبير.
* مسألة مهمة : كيف يتم تركيب شيء مجرد مع شيء مادي ؟
هذا الشيء بوحدته بهذيته متحرك نحو التجرّد ,حتى يأتي يوم يشتّد فيه التجرّد فيترك البدن مثل صوص الدجاج . النفس الإنسانيّة تخرج من المادة بحدوث البدن, بعين حدوثها ,وتخرج كذلك من البدن بنتيجة حركة الجسم الذي وصل إلى مرحلة معينة فتخرج منه النفس .
الهيكل الثالث
"الجهات العقليّة الثلاث ":
هذه الجهات موجودة في العقل , في القضايا المنطقيّة إما أن تكون القضية موجهة أما غير موجهة ,فالقضيّة الموجهة أي ذو جهة :إما ضروري الوجود أو ضروري العدم أو ممكن إما غير موجهة أي مطلقة ,بشكل أوضح كيف ننسب المحمول إلى المبحث ؟ ._مادة القضيّة ,كيف القضية , جهة القضيّة . إذا ذكرت الجهة فهي موجهة وإذا لم تذكر فهي مطلقة ولكن في نفس الأمر القضية مكيّفة وهذه تسمى مادة القضيّة ,واللفظ الداّل على هذه الكيفيّة تسمى بالجهة مثلاً: إذا قلنا الإنسان حيوان بالضرورة فهذه قضيّة موجهة وأما إذا قلنا إنسان حيوان في مطلقة لأننا لم نذكر الجهة .
المادة ثلاث :الوجود ,الإمتناع ,الإمكان .فكل مفهوم من حيث هو قياسابالوجود والعدم إما واجباً أما ممتنعاً إما ممكناً ؛ لأنه يقتضي من حيث ذاته وجودا ,وإما يقتضي من حيث ذاته عدما, أما لا يقتضي لا وجودا ولا عدماً ,وإذا خرجنا إلى الواقع الخارجي فالممكن ام واجب بالغير أما ممتنع بالغير .
في الهيكل الثالث شيخ الإشراق يختلف عن المشاء في رأيه فيقول : "الواجب ضروري الوجودوالممتنع ضروري العدم ....."
ما زال الكلام في وعاء الذهن والمسألة منطقيّة من المعقولات الثانيّة المنطقيّة وهنا تخرج من علم الذهن إلى العالم الخارجي لتصبح من المعقولات الثانيّة الفلسفيّة :"والممتنع يجبويمتنع بغيره :"الموجود بالخارج واجب وممتنع بالغير فإذا كان موجود بالخارج فهو موجود بالغير وإذا كان معدوم فهو ممتنع بالغير .
والإمكان بحد ذاته لا وجود ولا عدم وهوبحاجة إلى سبب ,إلى علّة ,أما الواجب ليس بحاجة إلى علّة مقتضى ذاته وجود وكل موجود من حيث ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم بحاجة إلى علّة .ومن يسأل عن علّة وجود الواجب فسؤاله خطأ لأنه لا جواب عليه فالله سبحانه وتعالى ذاته وجود فليس بحاجة إلى علّة فهو علّة تامّة وبسيطة ,علّة واحدة .لأن هناك علّة مركبة من عدة أشياء فإذا تحققت كل شرائطه يتحقق المعلول.
والسبب إذا تمّ لا يتخلف عنه وجود السببيّة .......:
السبب إذا كان يتألف من أجزاء وعلل ناقصة فبمجرد تم وجود العلّة يتواجد المعلول تمام الشرائط موجودة والموانع مفقودة عندها وجب الشيء بالضرورة .
الهيكل الرابع في مباحث الواجب وفيه فصول خمسة
الفصل الأول :في وحدة الواجب
قلنا كل مفهوم إما يقتضي وجود أو عدم أو لا إقتضاء ,واجب الوجود وجوده موجود ,فما هو الدليل على ذلك ؟هنا لا يتحدث عن أدلة وجود واجب الوجود لأن هذا مفروغ منه ولا يحتاج إلى دليل لأن وجوده ضروري, بل يتحدث هل واحد أم أكثر ,بسيط أم مركب .
*البرهان الاول :وحدة الواجب
"لا يصح أن يكون شيئان هما واجب الوجود ......ولا يمكن ان يكونا شيئان لا فارق بينهما ..."
لا يجوز ولا يمكن عقلاً ذلك لأن إذا كانا إثنين (أ)و(ب) واجب الوجود الإثنينيّة لا بد من فارق وميّز حتى نقول إثنين إلا إذا كان الثاني عين الاول فلا لزوم للثاني وهذا الفارق :فهل هو جزء من الاول ام من الثاني ؟واجب الوجود أم ممكن الوجود ؟ أو وجه الفرق موجود في كليهما أو في احدهما ؟ ,وإذا (ا)متوقف على الفارق و(ب) متوقف على الفارق فكل شيء متوقف على الآخر هو ممكن لانه محتاج وليس واجب ,فوجود الممكن متوقف على شيء أما وجود الواجب واجب .
وإذا لا فارق بينهما فهما شيءٌ واحد وليس إثنين .
"والاجسام والهيئات كثيرة ...فليس من واجب الوجود "
لا يمكن ان نقول الاجسام أو الهيئات هي واجب الوجود لانها كثيرة والواجب يجب ان يكون واحداً, وهي ممكنة وتحتاج إلى مرجّح وهو الله سبحانه وتعالى وهو واجب الوجود وليس محتاجاً .
*البرهان الثاني :
"واجب الوجود لا يتركب من أجزاء ...."
هل يمكن القول ان الله الواحد ذو أجزاء ؟ ذهنيّة أو عقليّة أو مقداريّة؟
فكل موجود مركب من أجزاء يكون معلول لها ,وكل مركب محتاج وكل محتاج ليس واجب الوجود ,وكل مركب معلول والمعلول ليس واجب .
*البرهان الثالث:
"والصفة لا تصف بذاتها وإلا ما إحتاجت إلى محلها ":
الله سبحانه متصف بالصفات مثل العادل والحي والقدير وهذه الصفات ليست جزء منه ولا حالات بل هي عين الذات ,ولا يمكن القول ان الله سبحانه فارغ منها أوعارٍ عن هذه الصفات حينها يصبح منفعل , والموجود المنفعل ليس واجب الوجود .
والصفة لا تجب بذاتها ,لأن الله ليس خالٍ من هذه الصفات ثمّ أوجدها في ذاته ,فها ليس بصواب فذات الله سبحانه علم وقدرة وعدل ,وذاته قديمة أي علمه وقدرته قديمة ,وذاته وعلمه وقدرته واحدة ولكن الإختلاف في المفاهيم والكلمات .
وبما ان الصفة محتاجة إلى محل فيصبح التغيير بذاته ,لذلك صفات الله سبحانه ليست عارضة عليه وإلا لاحتاجت إلى محل, وواجب الوجود ليس محلاً للصفات ؛لأن الصفات للممكنات وليس للواجب .فالشيء إذا كان خالياً من الصفات ثم أوجدها وأعطاها لنفسه فيلزم التركيب وكل مركب محتاج وكل محتاج معلول .
وهنا يعطي مثال من أنفسنا :" ونحن إذا تصرفنا في عضو لنا يكون الفاعل شيئاوالقابل شيئاً آخر" :أي الفاعل هو العقل والقابل هوالبدن، نحن مركب من عقل وبدن، من إرادة وأعضاء نحنمركب ولكن الله ليس بمركب، الله لا يعطي لنفسه الصفة ففاقد الشيء لا يعطيه وفاقد الصفة لا يعطي لنفسه الصفة وإن كان واجب الوجود وهو قادر على كل شيء ويعطي الصفات لنفسه فهذا فلسفيّا لا يصح, وهو خطأ فلا بد من دليل وبرهان ومنطق.
"فواجب الوجود واحد من جميع الوجوه وله من كل متقابلين أشرفهما وكيف يعطي الكمال وهو قاصر عنه ؟"
واجب العلم, والقدرة واجب الحياة ,إذا ذاته واجب الوجود فكل صفاته واجب الوجود ,واجب الوجود من جميع الكمالات وإذا كان كمال موجود عند عند المعلول فيجب أن يكون عند العلّة أكمل والله تعالى أشرف من كل المعاليل والعلل .
الله سبحانه أعطانا العلم الإرادة والقدرة وغيرها ,فهي موجودة عنده وإلا فاقد الشيء لا يعطيه ,قد يقول احدهم أن الله ليس بحاجة إلى هذه الصفات وهو خالٍ منها لكنه يفعل فعل الصفات كما قال المعتزلة, أو ان الصفات عارضة عيه كما قالت الأشاعرة ولكن الصحيح ان الصفات عين الذات فهم لم يستطيعوا ان يستوعبو ان الذات واحدة ومستجمعة لجميع الكمالات دون أي كثرة أو تعدد .
"وكل ما يوجد تكثراً من التجسيم والتركب يمتنع عليه تعالى والحق لا ضدد له ,ولا ند له ":
إذاقلت صفات متكثرة ومتعددة فهذا تركيب أو تعتقد الله سبحانه وتعالى جسم الرحمان على العرش استوى؟ ما لا ضدد له لأنه أما يكون ضدد المصطلح إما ضد بمعنى مقابل الشيء أماهنا نتكلم عن ضد المنطقي :الضدان أمران وجوديان يتعاقبان على ممكن واحد وبينهما غاية الخلاف فيكونين دخيلين تحت جنس قريب مثل بياض والسواد تحتجنس قريب وهو اللون .هناك ضد متعارف عند العوام وضد عند الفيلسوف موجود في الخارج كالتضاد بين عناصر الطبيعة ,كالبرودة والحرارة .أو كشيء يابس ورطب فهما ضدان في الخارج , قال أمير المؤمنين عليه السلام : وبعاضدته بين الأشياء عرف أن لا ضد له . أي أن الله سبحانه وتعالى ذاته بارد من البارد لا يصدر السخونة وهو خلق البارد وخلق السخونة كما خلق الرطوبة وخلق اليبوسة ,فالله خلق الأضداد فلا ضد له .
ولا ند له: ولا مثل له المثلان هما مشتركان في ماهيّة واحدة .والله لا ماهيّة له فلا مثل له (حتى شيخ الإشراق الذي يقول بأصالة الماهيّة يقول بان الله وجود بحت )ومن محكمات كلماته : "النفس وما فوقها إنيّات صِرفة ووجدات بحتة"حتى لا يعتقد أحد بقوله أن النفس لها ماهيّة .
"ولا ينسب إلى أين ,وله الجلال الأعلى ,والكمال الأتم ,والشرف الأعظم والنور الأشد":
فلا أين له ولا يخطر ذاته على بالنا بسهولة ولا جماله ولا كماله ,فنحن الضعفاء فكيف ندرك الشيء الذي أعلى من ذهننا ولكن نحن نفهم حسب إدراكنا ,الله واجب الوجود وليس مركب ,ليس معلول وليس محتاج ,هكذا مستوى إدراكنا .
"وليس بعرض فيحتاج إلى حامل يقوّم وجوده, ولا جوهر فيشارك الجواهر في حقيقة الجوهريّة ,ويفتقر إلى مخصص يميزه":
الأعراض تعرض على الأجسام فالبياض يعرض على الجسم ,فالجسم محل وقابل للبياض ,ولا جوهر :لأن النفس جوهر والعقل جوهر والجسم ونحن قلنا أن الله لا مثيل له ولا ضد له ,فكيف نمييز جوهر عن آخر ؟ ما هو فصله المميِّز ؟فلا بد له من فصل وكل شيء مميَّز فهو محتاج وكل محتاج مفتقر ومعلول .
"دلّت عليه الاجسام باختلاف هيئاتها" :
في عالم الأجسام تختلف بعضها عن بعض بالهيئات ,فكلاهما ممكنات ,إذا الجسم موجود والهيئات موجودة .فالواجب بالغير يجب ان ينتهي إلى الواجب بالذات وممكن الوجود يحتاج إلى واجب الوجود , فإختلاف الأجسام بإختلاف الهيئات ,والهيئات هي الأشكال والمقادير والألوان ونحوها.وإختلافها يؤدي إلى إختلاف الصور ,وإختلاف الصور يؤدي إلى إختلاف الإستعدادات ,وإختلاف الإستعدادات يؤدي إلى إختلاف الحركات ,وإختلاف الحركات من إختلاف المعشوق ,أي حركة العاشق نحو المعشوق .وحين يتحرك أي عنده إستعداد للحركة ومن عنده إستعداد للحركة فهو شيء ,والشيء صاحب هيئة ,إذا كلهم عاشق والله سبحانه هو المعشوق .لذلك قال : دلت عليه الاجسام بإختلاف هيئاتها .
"ولولا مخصصها لما اختلفت أشكالها ومقاديرها وصورها وأعراضها ....."
الجسم مختلف عن الجسم الاخر وغيره بحسب الاشكال والمقادير فلا بد من مخصص .ومراتب العالم والنظام كلٌ يدل على وحدته . كذلك أعراض الجسم وصوره ,وليس إقتضاء الجسم لأنه إذا كان كذلك فلا إختلاف من جسم إلى آخر ولما أختلفت الهيئات لأن الصور الجسميّة واحدة.
واسطة الهيكل –الفصل الثاني
في إثبات الوجود :
في هذا الفصل يريد شيخ الإشراق أن يثبت نور الأنوار
"الأجسام تشاركت في الجسميّة,وتفاوتت في الإستنارة, فالنور عارض على الاجسام ,ونورانيّة الأجسام ظهور لها" :
كل الأجسام مشتركة في الجسميّة إختلافهم بالهيئات ,الأن نقول إختلاف إختلاف الاجسام تفاوت بالإستنارة وعدمها, فهناك نور يميّز شيء عن شيء .,فالنور يعني الظهور ,لأن الهيئات كلها نور عرضي على الإنسان وكل شيء تراه بمقدار معين أو لون أو شكل فهذا نور كجسم شجري أو جسم حيواني أوجسم إنساني ,فتتعلق الأجسام بالإستنارة وكلما أخذ نور أكثر كان مرتبته أعلى ,التشكيك في النور .وبما أن الجسم عند شيخ الإشراق جوهر مظلم غاسق ,حتى عندما يرى الجسم فهناك نور في البصر ,وإذا سمعت فهناك نور في السمع ,النور موجود فنحن نسمع ونرى .
"وليس وجوده لنفسه, فليس ظاهراً لذاته فلو قام بنفسهلكان نوراً لنفسهولما كان النور عارض وقيامه بغيره":
النور العارض غير النور الغير عارض, فالعارض قيامه بغيره لا وجود له في نفسه, لا نفسيّة له يجب أن يتحقق في الجسم .لا يتحقق بحد ذاته .
وهذا الغير الذي يتحقق فيه ؛أحياناً يكون صدوري وأحياناً يكون حلولي , هنا يتكلم عن القيام الصدوري: الجسم بحد ذاته مظلم والهيئات نور عارض ,فالجسم بحد ذاته لا يعطي نور ,وهذا النور العارض حلَ على الجسم أي أن الجسم محلّه وقد صدر من واهبه لذلك نقول " النور عارض للأجسام قيامه "بمعنى الصدور من واهبه ,وقيامه بمعنى المحل وهو الجسم .والقول قائم بغيره ,من أين صدر وأتى وجاء ؟ ومن هو واهبه ؟
"ونفوسنا الناطقة ظاهرة لذاتها فهي أنوار قائمة بنفسها وقد بينا أنها حادثة .....الحي القيوم ":
النفس الناطقة نورٌ ظاهرٌ بنفسه أي كل واحد منا يدرك ذاته , يدرك أنه موجود وليس معدوم أجد ذاتي وأراها وأخاطبها وأسمعها ,فذاتي موجودة وهي النور . والهيئات هي النور للاجسام وكلها حادثة .فالنفس تحدث مع حدوث البدن ,فالحادث لا بد لها من محدث ,والنفس نورٌ مجردٌ وحادث فلا بد من نورٌ آخر مجردٌ أوجدها ,فإذا كان هو النور المجرد واجب الوجود فهو المراد وإن لم يكن فينتهي إلى واجب الوجود بذاته ,الحي القيوم .
النفس حيٌ قيوم ,والله حيٌّ قيوم في الآخرة تأتيك رسالة وانت في الجنة مكتوبٌ فيها :من الحيِّ القيوم إلى الحيِّ القيوم, فهو الحيّ القيوم بالذات ونحن الحيُّ القيوم به .
"والنفس قائم دلت على الحيّ القيوم ....وهو محتجب لشدة ظهوره":
هناك أنوار لا تعد ولا تحصى لكنه هو نور الأنوار ,نور النور (ولكن نحن لا ندركه فكيف نفهمه) .فنحن نحتاج إلى نور عرضي مادي كنور الشمس حتى نمشي ,شيخ الإشراق يمدح الشمس ويتحدث عنها كأنها ملك كبير له شإن ,تشرق علينا وعلى كل الموجودات ,ومنها الخيرات والبركات ,وهي التي تمد القمر بالنور وهي تعطينا الحياة ,ولكن حتى نورها عارض مادي له ثمن وله قيمة دنيويّة, لأن الدنيا بناؤها على نور الشمس فإذا كورت قامة القيامة .
الله نور النور, منور النور .بل نور جميع الانوار ,هذا النور المادي( أي الشمس)يدلنا عليه . هناك من يطرح سؤال :كيف وجود الله سبحانه وتعالى في العالم؟
يقول شيخ الإشراق :ظهور الالوان من النور المادي, وهذا النور المادي بحاجة إلى نورمجرد ,والنور المجرد مرتبط بمجرد أقوى وأقوى وأقوى حتى تصل إلى النور الأقهر والأبهر من كل القواهر والبواهر وهو نور الانوار. وهو محتجب لشدة ظهوره وشدة نورانيته .
*الحجب نوعان حجب نورانيّة وحجب ظلمانيّة ,
الحجب الظلمانية: كالجسم فهو حجاب في عالم المعنى كل المعاصي والذنوب هي حجب كالكذب والغيبة والسرقة ,صغيرها وكبيرها كلها ظلم للنفس ,فمن يعصي ربّه يظلم نفسه ,فكيف يبصر ويسمع ويفهم إذاكانت الظلمات موجودة؟ فلا يتطيع أن يتقدم خطوة واحدة في هذه الظلمات والحجب .
الحجب النورانيّة : غير ذلك فهي تحجب عن الوصول الى المبتغى لانه يرى الإنسان فيها نفسه مثل العلم هو حجاب نورانيّ والصوم والصلاة كذلك ,السير والسلوك هي حجب أيضا والعلم هو الحجب الأكبرما دام الإنسان يرى نفسه فهذه النفس والأنا هي التي تصنع لنا ذلك الحجاب .
الفصل الثالث :الهيكل الرابع
في صدور الكثرة عن الوحدة
عند الحكماء ككل, وبناءاً على قاعدة الواحد :الواحد لا يصدر منه إلا واحد أو الواحد لا يصدر إلا عن الواحد ,فالله واحد لا ثاني له بل أحد وذات لا ثاني له ولا جزء ,فكيف صدرت الممكنات عنه ؟ كيف هو موجد الكل وفاعل الكل ,والكل يعني الكثرات فعالم الإمكان هو عالم الكثرة ,وهذه الأسئلة لطالما شغلت عقول المفكرين وحارت بها العقول , فذهب المشاء إلى إثبات العقول العشرة والأفلاك التسعة وبعد الأفلاك التسعة عالم المادة والتركيب والجسم, وجعلو من العقل العاشر هو فاعل مباشر للنفوس والأجسام .
اما شيخ الإشراق تكلم عن العقول الطوليّة والعقول العرضية والأفلاك ,لكنه لم يحدد الاعداد لهذه العقول كما فعل المشاء . فهناك فرق كبير بين مبنى المشاء والإشراق في كيفيّة صدور الكثرة عن الوحدة .
"الواحد من جميع الوجوه الذي لا يتكثر في ذاته أختلاف دواع وإرادات موجبة لكثرة محوجة إلى السبب ,كما أحوجت الاجسام إليه, يجب أن يكون فعله بلا واسطة واحداً": الوحدة الحقيقية الحقّة .
الواحد من جميع الوجوه الذي لا يتكّثر في ذاته يجب أن يكون فعله واحداً بلا واسطة ,فعل الواحد واحد, ولكن الذي لا يتكثر في ذاته إختلاف دواعٍ وإرادات موجبة للكثرة محوجة إلى سبب ,أي موجد الأجسام صاحب إرادات ودواعي, ولكن الواحد يجب أن يكون فعله بلا واسطة أي بلا سبب آخر ويجب ان يكون فعله واحد.
إن إقتضاء الشيئين غير إقتضاء الآخر:
إذاصدر الشيئين من شيء واحد , أي(أ)علّة (ب)و(ج) ف(ج)غير(ب)كذلك (ب)غير(ج) فيجب أن يكون (أ) مركب من جهات مختلفة فمن جهة علته ل(ج) ومن جهه علته ل(ب ) .كذلك يجب ان يكون فيه تكثر وجهات مختلفة حتى يكون سبب لمعاليل مختلفة .
فإذا الله سبحانه وتعاله وحدته حقيقية ولا كثّرة بذاته ,بسيطة وأعلى درجة من البساطة يجب أن يكون فعله فعل واحد (عند الملا صدرا: الله فعله واحد ,الله وجود والعالم وجود وصدر الوجود عن الوجود ,أوجد الوجود ولكن الإختلاف بين الموجودات بحسب تشكيك الوجود ,الله واحد والوجود واحد فصدر الوجود واحد من وجود واحد).
وتعددت الإراء بين أهل المعرفة وبين الحكماء والروايات حول ما خلق الله أول شيء؟
بحسب إتباع المنهج منهم من قال القلم ,عقل , الروح ,كرسي ,عرش فكلهم واحد ولكن بتعابير مختلفة .مثلا الحكيم يقول : أول ما خلق هو العقل : فهو حقيقة بسيطة مجرّدة ولا كثرة فيها أبداً ,والعقل برهاني يوصلك إلى هنا . نعم حين نتحدث فلسفيّاً نقول : العقل الاول ممكن الوجود وليس واجب وكل ممكن زوج مركّب من ماهيّة ووجود ولكن هذا التركيب ,تركيب عقلي وليس خارجي .
"فأول ما يجب بالأول واحد لا كثرّة فيه ,وليس بجسم تتعلق فيه الهيئات مختلفة كالشكل ,ولا هيئة, ولا نفس فيحتاج إلى بدن ".:
أول مايصدر أو يخلق منه تعالى هو شيء واحد لا كثرة فيه أصلاً لأنه واحد بالوحدة الحقة الحقيقية وما يصدر عنه واحد بالوحدة الحقيقية الحقة (عرفانيّا يعبر ظليّاً) وأول ما صدر ليس بجسمٍ أيضاً فالجسم تحققه الهيئات والهيئات مختلفة إذاً هو مركب وليس بسيط .
ولا هيئة لان الهيئة تحتاج إلى محل والمحتاج فقير وأول الخلق يجب أن يكون أرقى منذلك ,ولا نفس لأنه يحتاج إلى بدن .
"بل هو قائم مدرك لنفسه ولبارئه وهو النور الإبداعي الأول ولا يمكن أن يكون هناك أشرف منه وهومنتهى الممكنات وهذا الجوهر ممكن بنفسه ,واجب بالاول":
بدأ هنا شيخ الإشراق بالصفات الثبوتيّة, هو النور (العقل) ولكن نور ظاهر بذاته أي مدرك وهو أشرف الموجودات وهومنتهى الممكنات بالقوس الصعودي ,وهو مبدأ الجميع ومنتهاهم, وهو من حيث ذاته ممكن ومن حيث وجوده واجب ولكنه واجب بالغير .
"فيقتضي نسبته إلى الاول ومشاهدت جلاله جوهراً قدسياً آخر وبنظره إلى إمكانه ونقص ذاته بالنسبة إلى كبرياء الأول جرماً سماويّاً ":
هذا النور الأول الأبهر الإبداعيّ عنده مشاهدة ,فيشاهد كبرياء الرب فيستغرق بشهود مُبدعه وخالقه ,فحين ينظر إلى إلى كبرياء الرب وجلاله وعظمته يصبح عنده إشراق ,فهذا الإشراق ينتج عنه النور الثاني (العقل الثاني) ,فهذا النور له مشاهدات وإشراقات ,ولكن الإشراقات هي نتيجة المشاهدات .
النور الأبهر بالمشاهدة يقتضي عنه العقل ثاني أو النور الثاني وحين يدرك ذاته ينتج عنه إشراق من هذا الإشراق يخلق شيئين : نفس الفلك وجرم الفلك ,فحين يدرك ذاته يخلق منه نفس الفلك وحين يدرك نقصه وإمكانه يخرج منه جرم الفلك ,فذلك يصدر منه ثلاث : الجوهر القدسي والنفس الفلكي والجرم الفلكي . بإدراك الأحسن يصدر منه جرم الفلك ,وبإدراك الأقل من الأشرف الاول يخرج منه نفس الفلك وهذا الجرم السماوي بحاجة إلى نفس .
وهكذا الجوهر القدسي الثاني بالنظر إلى مافوقه بالشهود المشاهدة أدرك نفسه والشأن الثالث إدراك نقص ذاته .
"إلى أن كثرت الجواهر القدسية والأجسام البسيطة فلكيّة وعنصريّة ":
عند الإشراقيين تعداد العقول لا حد له وهذه العقول الطوليّة سبب للعقول الماكافئة (العرضيّة) والعقول العرضيّة يصدر عنها الأجسام الأيثريّة والعنصرية .
والجواهر العقلية المقدسة وإن كانت فعّالة إلا أنها وسائط الجود الأول وهوالفاعل بها :
الآول تعالى يريد أن يجود لا بد من وسائط وأسباب وهذهالعقول المقدسة هي الوسائط للجود , ولكن الفاعل في كل هذه المراتب هو الاول ,أي هو فاعل للعقول (وهذا الامر مهم جداً لان هذا مخالف لنهج المشاء ومن الثغرات عندهم)
"كما أن النور الأقوى لا يمكِّن النور الأضعف من الإستقلال بالإنارة ":
هذه العقول شأنها الإنارة وهي وسائط الإنارة فالنور يأتي من خلالها وكل الانوار هي من نور الانوار وليس منها , مثالٌ لتقريب الفكرة: الشمس عندها إشراق فتشرق مثلاً في المرآة ولكن هذا النور الذي هو في المرآة هو إنعكاس للشمس وليس موجود بالمرآة ومن خلال المرآة يعكس على الماء فأصبح النور في الماء ومن نور الماء ينعكس على الحائط , فالنور الذي على الحائط أساسه من الشمس لكن مرً بمراحل ليصل إلى الحائط فهذه الوسلئط نورها ليس من ذاتها بل من هي إنعكاس وإختلاف في الشدة والضعف ,
وهنا كل العقول أنوار ,والله نور الأنوار وكل نور منه ولكن نور الأنوار لا يمكّنهم من الإستقلال فهم وسائط وهو الذي يعطي كل ذي حق حقه ,فالعقل الثاني له مكانة وشرف في الوجود ولكن نوره ليس منه .
"فالقوة القاهرة الواجبة لا تمكّن الوسائط من الإستقلال لوفور فيضه وكمال قوته وهوما لا يتناهى بما لا يتناهى فكل شانٍ فيه شأن ":كل ذي شأنٍ له شأن فكل يوم هو في شأن .هو شريف الشرفاء ويعطي كل شريفٍ شرف لوفورفيضه وهو وراء ما لاينتهي فيضه .فيضه ما لا نهاية له, فيضه قديم .
الفصل الرابع :
في العوالم الثلاث
عند المشاء يوجد العقول العشرة والافلاك التسعة ثم عالم الأجسام والمادة فهم لا يؤمنون بعالم المثال أو حسب الشرع بعالم البرزخ في القوس النزولي والكرة الأرضية مركز لكل العوالم . اما شيخ الإشراق يقول أن هناك عالم آخر بين العقل والجسم أسمه عالم المثال ,المُثل المعلّقة ,فعندهم المُثل النوريّة يعني العقول الطوليّة والمُثل المعلقة هي العقول العرضيّة المتكافئة وأرباب أنواع .
إعلم ان العوالم ثلاثة :
العالم هو ما يعلم به ,كل ما فوقه وما بعده ,فاعله علّته كلها نعتبرها عوالم عالم المادة عالم المُثل المعلقة ,المُثل النوريّة عالم ولكن هناك صفات في ذاته لا نعتبرها عالم .ولا يمكن لأحد القول بان ذاته المقدسة هي أكبر العوالم , فالعالم ما يُعلم به وذاته المقدسة ليست بعالم كذلك صفاته الذاتيّة أسمائه ,وما سوى الله هو عالم .
العالم الاول: 1-عالم تسميه الحكماء عالم العقل وعلى إصطلاحهم جوهر لا يقصد إليه بالإشارة الحسيّة ولا يتصرف في الأجسام أيضاً:
هذا العالم أكثر حيطة وسعة .وعالم المثال أضيق بالنسبة إليه وعالم المادة أضيق بكثير .
2" عالم الثاني : عالم النفس والنفس الناطقة وإن لم تكن جرمانيّة وذات جهة إلا أنها تتصرف في عالم الأجسام :والنفوس الناطقة تنقسم إلى:
(ا) يتصرف في السماوات النفوس الفلكية
(ب)إلى ما نوع الإنسان : النفوس الناطقة الجسمانيّة
3 عالم الثالث:وهو منقسم إلى أثيري وعنصري
ومن جملة الانوار أبونا ":
وهو من المطالب المهمة عند الإشراق ,الأنوار القاهرة هي الأنوار الطوليّة لأن كل عقل بالنسبة إلى الثانيله قهرٌ وغلبة وقاهر القواهر هو الله سبحانه وتعالى .
وأبونا : وهو أب واحد بالنسبة إلى جميع البشر وليس المقصود هنا آدم أبو البشريّة بل هو أب آدم عليه السلام أب لجميع الآدميين في مرتبة العقول المتكافئة العَرَضيّة ورب طلسم نوعنا ومفيض نفوسنا ومكملها ,رب الطلسم ,رب الإنسان ,(الطلاسم الموجود في الكتب هو الرسم الهندسي عن الطلاسم التكوين)
أسم الثاني : روح القدس وهذا الإسم عند أهل الشريعة جبرائيل عليه السلام .أما عند الحكماء فهو العقل الفعّال ,عند الإشراق :أبونا وربُّ طلسم نوعنا .
العقل الفعّال من شانه العمل الدائم وهو حقيقة كل شيء ,هناك عدة براهين لإثبات العقل الفعّال وكل ما ندرسه من علوم هو من فيض العقل الفعّال .و
"والعقل أول ما ينتشي به الوجود أول من أشرق عليه النور الأول ":
أي كل الخيرات منه أو يتثنى به الوجود يتعدد, وهو أول من أشرق عليه النور الأول سبحانه وتعالى فصار لديه شهود وإشراق .
وتكثرت العقول بكثرة الإشراقات وتضاعفها بالنزول : أي الإشراقات هي أسباب الكثرة
: "والوسائط موجودة وإن كانت أقرب إلينا من حيث العلية والتوسط إلا ان أبعدها أقربها من شدة الظهور"
وهذه من المطالب المهمة عند الأشراقيين : الوسائط هي العقول الطوليّة وهي أسباب وسائط العقل والعقول العرضيّة وسائط الفعل ,والوسائط هي أسباب الكثرة .
*ملاحظة
عند المشاء العلّة سبب لوجود المعلول وهي أقرب شيءٍ إليه لأنها علته والموجدة له وخالقه ,ثمّ هذه العلة هي معلولة بالنسبة إلى ما فوق ,والعلة وما فوق العلة هي أقرب شيء لمعلولها وهكذا , وإذا وضعنا الله سبحانه وتعالى على رأس سلسلة العلل فهو يسمعنا ولكن من خلال السلسلة وهو يجيبنا ولكن من خلالها أيضاً .
أما عند الإشراق فالله سبحانه يجيب وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وهو يسمعنا قبل أي احد قبل العقول ,يسمعنا قبل الكل ويجيبنا قبل الكل إذا أراد ,ممكن من خلال الوسائط ويمكن من غير الوسائط ,ويمكن أن يستر عليك حتى الكاتبون لا يعلمون ما فعلت فهو الستار .
الوسائط علتها أقرب إلينا من حيث العليّة والسببية إلا أنه أبعد العلل فالعقل الأول مثلاً أقرب من حيث شدة الظهور ,أي شدّة نورها ,صحيح هناك وسائط لكن أصل النور حتى وصلت إلينا الأنوار ولكن أبعدها إلينا أقربها من شدة نورها .
"وأقرب الجميع نور الانوار ":
أبعد الجميع نور الأنوار من حيث الوسائط ,واقرب الجميع نور الاول لأن نورانيّته أشد فهو عالم مع كل هذا, فإذا قلت في الرواية "عالٍ في دنوه ودانٍ في علوه" فهذا تفسير في الإشراق واضح وأيضا في الحكمة المتعاليّة .
أي أقرب الجميع نور الانوارمن حيث الظهور وشدة الظهور ,وأبعد الجميع نور لأنوار من حيث الوسائط ,فهو أقرب إلينا من حبل الوريد وحتى من انفسنا .
فهو المحيط الموجود في كل مكان, بيني وبين نفسي هو موجود , داخل نفسي وخارجها هو موجود, بين معلومي وخارجه هو موجود, "واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه" قبل فهمي وإدراكي هو موجود ,في ذاتي ,في إدراكي ,في مطلق وجودي ,ومطلق الوجود هو موجود ومحيط بكل شيء.
"ألم تر سواداً وبياضاً إن كانا في سطحٍ واحد يتراءى البياض أقرب إلينا لأنه يناسبالظهور , فالأول في العلو الأعلى والدنو الأدنى ."....
إذا نحن لا نراه من شدةٍ ظهوره ,فمن شدة طهوره فهو خفيّ .لشدة ظهوره الغير متناهي فهو أقرب إلينا من كل قريب .
ملاحظات مهمة حول البحث :
1 -عند الإشراق أب واحد بالنسبة للجميع وهذا يُعتبر كليّ سِيعي (من سعة) وليس كليّ طبيعي إلأ إذا كان قصده ربّ الأنواع فهو كليّ سيعي .
2- لكل نوع فردئق عقلاني يسمى بالمثُل النورانيّة ,ويسمى تلك العقول بالعقول المتكافئة (أي مرتبة واحدة) أو العقول العرضيّة هم أيضاً مثل النورانيّة حتى تميّز العقول المتكافئة عن الُمثل المعلقة التي هي في عالم البرزخ ,في عالم المثل المعلقة هناك أشباح
(قوالب مثاليّة) لكل فرد شبح مثالي ولكل نوع فردٌ عقلاني (الشبح للأفراد ,وفرد مجرّد عقلاني للنوع).
قال ربّ طلسم نوعنا : ربّ النوع (هل يوجد رب النوع للأعراض أو الجنس ؟)
فالعرض ليس مستقل فلا رب نوع له ,رب النوع هو أساسي , ولا يوجد ربّ النوع للجنس لأن الجنس لا تحصّل له ,فتحصله بالنوع ,والنوع ربّ النوع ,ربّ النوع للإنسان وليس للأعراض أو الأجناس .
3-العقول الطولية لا يحصى عددهم عند الإشراق ولهم مشاهدات ولهم إشراقات .
مشاهداتهم سبب للعقول العرضيّة .والعقول العرضيّة سبب لحصول عالم المثال ,الإشراقات هي سبب لطائفة أخرى من العقول العرضيّة بما ان الإشراقات أقل درجة من المشاهدات ,فهي سبب لعالم الاجسام أثيري أو عنصري . قالوا أن العقل الاول أب ربّ نوع الإنسان (العقل الطولي) ربّ الأرباب .